ذهب العصر الجاهلي، والإسلامي وذهب العصر الأموي والعباسي وحتى بداية العصر الحديث.. وبقى لنا الموروث الأدبي الخالد.. الشعر الراقي والإبداع والطرافة.. فلولا المناكفة الشعرية والمهاجاة لما استمتعنا بنقائض الأدباء..!!؟
|
فقد أعادنا الدكتور محمد يماني بما نشره في صحيفة الجزيرة إلى نقائض جرير والفرزدق والمتنبي ومدحه لسيف الدولة وهجائه مع أعدائه، كما قال المتنبي وأطرب عاطفتنا:
|
ومهجة مهجتي من همِّ صاحبها |
أدركتها بجوادٍ ظهرُه حَرَمُ |
رجلاه في الركض رجلٌ واليدان يدُ |
وفعله ما تريد الكف والقدم |
|
إن كان سرّكم ما قال حاسدنا |
فما لجرح إذا أرضاكم ألَمُ |
|
وأيضاً أهاجي بشار وأبو نواس وابن الرومي.. إذاً لولا المعاتبة والمساجلات الأدبية والهجاء لما أبدعوا في صور فنية في غاية الروعة والإتقان ولولا هذا لفقدنا جماليات الأدب والشعر..
|
فكان الشاعر العربي يهجو أو حتى يمدح فتنظر القبيلة إلى متى يتصدى له ويطلق لسانه إن كان مدحاً وتقريظاً أو هجاء أو حتى تغزل كليلى وقيس.
|
وكما هو الأدب القديم أيضاً طربنا مع العقاد والمازني وشوقي، وفي الأدب السعودي عبدالقدوس الأنصاري مع أدباء عصره حتى وصلت بنا المعارك الأدبية إلى (كيف أهجو القمر) لأبي عبدالرحمن بن عقيل الظاهري مع حمد الجاسر، فقد قال الجاسر في رسالة له لأبي عبدالرحمن أن الجذور العميقة الحب، والوفاء.. وما قد حصل من منازعات هي نزوة عاطفية وثورة طبع.
|
وها هو المحرش الأديب الأريب حمد القاضي أراد التجديد وفض الرقابة عن الآداب والثقافة فأشعل النار بين القصبي ومحمد يماني..!!
|
وكلما كان ثمة تجديد وتغير كلما زاد حظوة الأدباء عند القراء فالتغيير هو سنة الله في كل شيء حتى في الأدب، وهي ارتقاء في مسيرة الأدب.
|
إذن مضى كل شيء إلا المداعبات والمنازعات الأدبية التي تهيج عواطف الأدب وتنتج عقله ويصرح بمكنونات القلب إن كان هجاء أو مدحاً وتقريظاً.
|
إنها صورة فنية تثير في النفس الإعجاب والذوق وتظهر مكامن القوة لدى الأديب. كما هي المثالب والعيوب فيحاولون التخلص منها خشية النقد مثلما هو الوصول إلى الكمال، فالمناكفة والمعاتبة هي مكسب للأدب والثقافة. كما قال المفكر المصري أحمد أمين: (لولا المعارك الأدبية في الآداب لبقيت مثل الأهرام في شكلها ومادتها).
|
يقول الأديب محمد يماني: إن كاتبة هذه السطور نهجت منهج حمد القاضي بالدفاع عن القصيبي.. مع شعر القصيبي وخلجاته تروق لنا أحلى الوجدانيات..!!
|
فلا ننكر طغيان عنفوان الشعر الوجداني عند القصيبي ربما يرجع إلى صبغته السيلولوجية وطبيعة ذاته. فقد يكون حالماً ألم به طيف الخيال كما يقال: (إنما ينجح الشعراء في التخيلات).
|
وقد يكون هروباً من إرهاصات وتبعات الحياة وتكاليفها وفواجع المواسم كما قرأناه في كتابه (المواسم) والتي تتجلى أمام هذه الفواجع احتساب الأجر والصبر.. خلق البشر وللعاطفة الحية مكانة في قلوبهم.. فالدين جاء لإحياء القلب والبصيرة مثلما أعلى شأن العقل ولا أمل لسعادة الإنسان إلا بحياة عقله وقلبه معاً.. إن عاطفة المحبة فلسفة حياتية لا تعرف زماناً ولا عمراً فهي ربيع القلب ودليل على قوة القلب وإحياء الضمير وتنم عن شخصية مجتمعية منسجمة مع ذاتها تعيش الجاذبية والإيجابية مع الآخرين.
|
فأراد الدكتور محمد يماني من القصيبي أن يأخذ منحى آخر في شعره فتفيض إيمانيات ويستحضر الله في خواطره وتتجلى الروحانية لوصف العرصات والمشاهد الإيمانية، فيكون له حضور وبنى في شعره مثلما هو الحضور الوجداني في شعره..
|
وبعد هذا الاستمطار العذب والشيق من المتعاتبين أين سحب القصيبي ألا تستمطر..!!؟ أم يتوارى ويكتفي ب(أقاهرتي)!!
|
|
لا يضيق سم الخياط بمتحابين |
ولا تسع الدنيا متباغضين |
الخليل بن أحمد |
حميدة الخالدي |
|