Al Jazirah NewsPaper Monday  18/05/2009 G Issue 13381
الأثنين 23 جمادى الأول 1430   العدد  13381
القبر صندوق العمل

 

اطلعت على العدد المؤرخ في 5-4-1430هـ بعنوان مقابر العاصمة تحتضن (11.011) متوفى خلال عام واحد، ولي مع هذا العنوان وقفة تأمل، هؤلاء - رحمهم الله- رحلوا إلى أول منازل الآخرة، ألا وهو القبر، وللأحياء في هذه الوقفة ذكرى وتذكير، فالموت قدومه فاجعة، وهجمته قارعة، ونزوله مصيبة، إن التشاغل عن ذكر الموت، والتغافل عن خطبه، يلهي عن عبادة الله وطاعته وذكره، ويقسي القلب، وهو ثقافة محمودة، وأصل من أصول ديننا، يقول نبينا محمد صلى الله عليه وسلم (أكثروا من ذكر هادم اللذات) رواه الترمذي وابن ماجه، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتى المقابر قال: (السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، أنتم السابقون وإنا - إن شاء الله- بكم لاحقون، أنتم لنا فرط، ونحن لكم تبع، أسأل الله لنا ولكم العافية) رواه مسلم، من تذكر الموت فهو من أكيس الناس وأحزمهم لنفسه، والأوائل رحمهم الله، إذا جاءهم الموت قالوا: اللهم أقل العثرة، واغفر الزلة، وعد بحلمك على من لا يرجو غيرك، ولا يثق بغيرك، وقيل لأحدهم في مرضه، كيف تجدك، قال أجدني كما قال الله {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاء ظُهُورِكُمْ} (94) سورة الأنعام، جميل أن يكون لنا فيما نراه ونقرؤه كل يوم ممن يشيعون، وقفة محاسبة، حين يحمل المرء على الأكتاف، ويمسي أول ليلة في قبره، في معزل عن أهله وخلانه، ومعارفه وأقرانه، حين تظهر الأسرار، وتوضع الموازين، ويقضي بين العباد، والنبي صلى الله عليه وسلم حين حضرته الوفاة كان يقول (لا إله إلا الله، إن للموت لسكرات) روه البخاري، ولا تعارض بين تذكر الموت والكد والسعي في أمور الحياة {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} (77) سورة القصص، وثمة أمور تنفع العبد قبل فراقه الدنيا من ذلك: الحذر من الوقوع فيما يغضب الله، الدعاء والاستغفار، تجديد التوبة مع الندم على ما مضى، استثمار الأنفاس والمواسم فيما يرضي الله، من بذل المعروف، وكف الأذى، وصلة الرحم، والمحافظة على الصلوات، وأنواع الصالحات، وكل عمل خالص صالح فهو مقبول، فقد جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله: (أرأيت إذا صليت المكتوبة، وحرمت الحرام، وأحللت الحلال، أأدخل الجنة؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم (نعم)) رواه مسلم. كما أن الدعاء للميت سبيل المؤمنين، يقول الإمام النووي -رحمه الله- (أجمع العلماء على أن الدعاء للأموات، ينفعهم ويصلهم ثوابه....) {وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً} (24) سورة الإسراء، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث، صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له) رواه مسلم، الرغبة فيما عند الله، والمسارعة إلى طلب مغفرته ومرضاته، همة عالية وموصلة للنعيم، ومجاهدة النفس تكون حتى الموت، وإذا أدرك المرء أن الأنفاس معدودة، والدنيا مزرعة الآخرة، أقترب لمولاه، وصلحت معيشته في الدنيا، أما في الآخرة فيكون ممن قال الله فيهم: {فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}، فالعمر مهما طال قصير، والعمل جليس العبد في قبره {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} (38) سورة المدثر، والعبرة بحسن العمل، والقبر صندوق العمل، والموت لا يجامل ولا يستأذن، ليس لزيارته موعد محدد، ولا لهجمته وقت معلوم {فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ} (61) سورة النحل. فاللهم استعملنا في طاعتك ومرضاتك وأختم لنا بخير.

سعود بن صالح السيف



 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد