استمتعت كثيراً بالمشاركة في (المؤتمر الوطني للأمن الفكري) الذي رعاه خادم الحرمين الشريفين وشرّف افتتاحه صاحب السمو الملكي الأمير نايف بن عبد العزيز النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء ووزير الداخلية في رحاب جامعة الملك سعود وبتنظيم من كرسي الأمير نايف لدراسات الأمن الفكري.
وعلى مدى ثلاثة أيام تلت ليلة الافتتاح، ومن خلال تسع جلسات مركزة قُدم فيها ستة وستون بحثاً منهجياً مع المناقشات العلمية المتنوعة، ترسخ لدّي انطباع شعرت به وأنا ألمح في قسمات وجه الأمير نايف مشاعر الرضا والارتياح ليلة الافتتاح بأن القضية الكبرى التي أطلقها وعرّف بها وأشهرها ولفت الأنظار إليها ودعمها ودافع عنها منذ عشرين عاماً حتى ارتبطت به، وأعني بها (الأمن الفكري) مفهوماً ومصطلحاً، قد وجدت أخيراً التفاعل اللائق بها بعد أن سبر الأمير نايف الواقع واستشرف المستقبل، فحدّد الخطر الداهم الذي يهدد المجتمع ووصف العلاج الناجع له حتى أصبح الأمن الفكري اليوم مفهوماً يتحدث عنه القادة والزعماء والمفتون وكبار العلماء ورجال الإعلام والفكر، بل وأصبح للأمن الفكري موطئ قدم راسخة في أعرق جامعات بلادنا (جامعة الملك سعود) من خلال كرسي أنشأه ودعمه ليتيح الفرصة الحقيقية لأعضاء هيئة التدريس والطلاب في الجامعات أن يكونوا شركاء في حمل هذه القضية الكبرى.
وحين ينظر الباحث لمعالجات الأمير نايف بن عبد العزيز للأمن الفكري وتعزيزه له وما قام به لمواجهة الانحراف الفكري بنوعيه الغلو والإرهاب من جهة والانحلال والإفساد من جهة أخرى، فإنه يراها ترتكز على ست كلمات هي مفتاح إستراتيجية الأمير نايف في تعزيز الأمن الفكري، اجتهدت في تتبعها على مدى ستة أعوام منذ بدء أحداث التفجير والتدمير التي وقعت في بلادنا.
تتمثل هذه الكلمات الست والتي تبدأ كل واحدة منها بحرف الحاء في: (الحزم والحنكة، والحلم والحكمة، والحوار وحفظ الثوابت)، وقد أحصيت عشرات الشواهد المؤكدة على استخدام سمو الأمير نايف لهذه الإستراتيجيات مجتمعة أثناء تعامله مع هذا الملف الخطير وإدارته بطريقة اتفق العقلاء على أنها صانت أمن البلاد ووحدتها واستقرارها واقتصادها.
ونحن اليوم بأمس الحاجة إلى ترسم هذا المنهج عند رسمنا الإستراتيجية الوطنية للأمن الفكري، بعد أن هدأت النفوس وقلّ الانفعال وعاد الهدوء والاتزان الذي زال عن الكثير منا أمام هول الصدمة وبشاعة الإرهاب وفجيعة العقوق الذي قام به بعض أبنائنا تجاه وطنهم وأهلهم وقبل ذلك دينهم تفجيراً وتدميراً، فطاشت سهام النقد ومارس الكثيرون جلد الذات وتحطيم المنجزات، فاتهمت مناهج التعليم، وهيئات الأمر بالمعروف، وحلقات تحفيظ القرآن الكريم، وخطباء المساجد، والمراكز الصيفية بالتسبب في هدم الأمن الفكري في تعميم كبير واتهام خطير يتنافى مع مقتضيات (الحكمة والحلم وحفظ الثوابت)، ودافع البعض دفاعاً مستميتاً منكرين وجود الأخطاء ووقوع الخلل، رافضين مناقشة الآخرين في هذه الاتهامات في مسلك يتنافى مع: (الحزم، والحنكة، والحوار الرشيد).
وظل الأمير نايف بن عبد العزيز ثابتاً على منهجه المتوازن، حازماً في مواجهته الانحراف الفكري، محنّكاً في التعامل معه، ويكفي أنه نجح في جعل المجتمع بأكمله يتفاعل مع هذه القضية ويشعر بأثرها البالغ، في حين فشلت دولٌ كثيرةٌ في الوصول إلى توحيد الصف في مواجهة الانحراف الفكري، حليماً عصياً على الاستفزاز فلم نر الجماعة يؤاخذون بجريرة الواحد، ولم نر قصفاً عشوائياً يسقط فيه عشرات الأبرياء للوصول إلى بعض المطلوبين، حكيماً يضع الشيء في موضعه بنظرة بعيدة تستشرف المستقبل وتضع مصلحة البلاد والعباد نصب أعينها، وما لجان المناصحة التي اعترفت بنجاحها وتميزها دولٌ وأجهزةٌ معتبرةً إلا ثمرة من ثمرات حكمته وبعد نظره، وهو مع هذا كله محاورٌ مقنعٌ ومستمعٌ بارعٌ يطبق قيم الحوار الراقي عملياً، يقبل الرأي الآخر ويحاور صاحبه بالحجة والمنطق والدليل والبرهان.
أما درّة التاج في معالم إستراتيجية الأمير نايف للأمن الفكري فهي حفظ الثوابت، فلا يكاد يذكر اسم الأمير نايف إلا ويتذكر السعوديون جميعاً الأصالة والثبات على المبادئ وعلى رأسها العقيدة الإسلامية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وخدمة السنة النبوية ووحدة الوطن واستقراره وأمنه، وهي القضايا التي يؤكد دائماً أنها أمانة تسلّمناها من الآباء والأجداد وسوف نسلمها للأبناء والأحفاد.
وأخيراً فلئن كان خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز قد قدّر للأمير نايف تاريخه وخبراته وإنجازاته فأصدر أمره بتعيينه نائباً ثانياً لرئيس مجلس الوزراء، فإننا جميعاً مطالبون بأن نبذل الجهد في التعاون الصادق معه لتعزيز الأمن الفكري ومواجهة آثار الانحراف ونذر الفتن التي يتربص أهلها بنا.
- الأمين العام للمركز العالمي للتعريف بالرسول صلى الله عليه وسلم ونصرته