Al Jazirah NewsPaper Monday  01/06/2009 G Issue 13395
الأثنين 08 جمادىالآخرة 1430   العدد  13395
بين الكلمات
الأفضلية للاستثناء
د. عبد العزيز السماري

 

لا يمكن فهم مقاصد الكلمات بدون مقدمات، فالكلمة تكاد تكون بلا روح إذا جردتها من العبارة أو أخرجتها من سياق القرار أو من قلب الحدث، وعلى سبيل المثال كلمة (استثناء)، قد لا تعني شيئاً كثيراً إذا خرجت مجردة من سياق الجملة، لكنها قد تحمل معاني إيجابية غير عادية إذا كان الحديث عن نجاح استثنائي لمشروع ما، أو للإشادة بعبقرية استثنائية لعالم أو نجاح خارق العادة لإنسان، وهو ما يعني أن الاستثناء في التميز يعني الخروج عن القاعدة العامة للنجاح..

لكن القوانين الاستثنائية قد تحمل فهماً مغايراً لمقاصدها الإيجابية، فقانون الطوارئ الاستثنائي صار هو القاعدة التي تحكم الناس في بعض البلدان، وصار من الطبيعي أن يتجدد قرار استمرار حالة الطوارئ التي تحكمها قوانين الاستثناء..، فقد وصل الحال إلى درجة اعتاد الناس فيها على تطبيق حالة الطوارئ، ولم يعد في ذاكرتهم أي أثر لثقافة الحقوق الطبيعية في المجتمع..

ومن خلال هذا المنطق، فتحت أبواب لا حصر لها لقاعدة الاستثناءات في حياة الإنسان العربي، فقد أصبحت من المسلمات التي تحرسها قوات الطوارئ الاستثنائية، لذلك سلم المواطن العربي بهذا الأمر، وقبل بتبعات واقعه المرير، وأصبحت لديه ثقافة واسعة في هذا الشأن، من أهم فصولها معرفته الجيدة بقائمة المستثنين أو الذين يحق لهم تجاوز تلك القوانين التي فقدت قدراتها وصلاحيتها منذ هيمنت ثقافة الطوارئ على خطط التنمية ومشاريعها..، أما أولئك الذين خارج تلك القائمة فعليهم الانتظار في (طوابير) لا تنتهي ولا تتحرك كثيراً..

يحمل قانون الاستثناء الخفي في سياقه الكارثة بعينها، فالاستثناء في توزيع المصالح مآله الفساد والانحياز وسوء توزيع الثروة، ويحمل كماً هائلاً من العواقب السيئة، كذلك هو الحال مع تطبيق قوائم الاستثناء في الحصول على فرص العمل أو التعليم، أو انحياز الإدارة لبعض الموظفين ورفع منافعهم المالية استثناءً، وعادة لا تظهر تلك التأثيرات مباشرة، ولكن تأخذ دوراتها الزمنية، فالإحباط في المحيط الاجتماعي أو الاقتصادي أو العملي يأخذ مساره الطبيعي، وعادة ما يؤدي إلى انهيار مناخ العمل، وفقدان الثقة في مسارات التطور الطبيعي لمختلف المجالات، ثم سقوط تلك النجاحات التي من المفترض أن لا تنتظر استثناء، ولكن شيء من التقدير والمكافأة المتوافقة مع قدرتها على التطور رغم المنافسة..

الاستثناءات وإلغاء القوانين والشروط والمواصفات والحقوق المتساوية في الفرص، هي إيذان بالتوقف القسري عن الحركة إلى الأمام، وإلى شلل كامل للتفاؤل وإمكانية تحقيق أحلام الجميع على قدر المساواة، وهو ما تفتقده المجتمعات العربية، فالقوانين والحقوق مغيبة والواقع تحكمه المحسوبية والعلاقات الاجتماعية..

وصل الأمر إلى أن تكون قاعدة بيانات الاستثناءات من الشروط اللازمة هي الأصل الذي يحكم كثيراً من فرص التوظيف وقبول الطلبة في الجامعات، وكم سيكون رائعاً أن تتم معالجة مثل هذا الخلل، وأن نقف بشجاعة في وجه الاستثناء السلبي، والذي يحقق الفرص والمنفعة فقط لأصحاب النفوذ وذوي القربى وعلاقة المصالح..

لا أعلم لماذا تداعت هذه الكلمات، بعد ذلك اللقاء القصير مع شاب سعودي يعمل في مؤسسة سعودية تجارية كبرى براتب لا يتجاوز 1800، ويدرس على حسابه الخاص في الجامعة العربية المفتوحة، ومتزوج،.. ومع ذلك ظلت ابتسامته تسبق حديثه معي، وتدل على رضاه، وتعلن قبوله التحدي مع صعوبات الحياة..، وأنه قادر بعون الله على تحقيق أحلامه الوردية على أرض الوطن بدون استثناءات..




 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد