الأمُّ مدرسةٌ، قالها حافظ قبل مائة عام؛ وقال:
|
الأم روضٌ إن تعَهَدَّه الحيا |
بالرِّيِّ أورَق أيَّما إيراق |
الأم أستاذ الأساتذة الألى |
شغلت مآثرهم مدى الآفاق |
والأمُّ هي كما قال حافظ أو أسمى؛ ففي مملكتها الأمان، وفي عطفها الاطمئنان، وفي إيمانها اليقين وفي توجيهاتها السعادة، وفي مشاعرها الصدق وفي القرب منها تخصب الآمال وتخف الآلام.
|
وإذا كانت الأم كذلك وهي فوقه فإنَّ معروف الرصافي أخذ هذه المعاني السامية لمكانة الأم وجعلها للوطن، ففي الوطن: الأمان والتربية والنصر والعزَّة والإباء، والشاعر يجمل هذه المعاني وغيرها في أبيات جميلة منها قوله:
|
مواطنكم يا قوم أم كريمة |
تُدرُّ لكم منها مدى العمر ألبان |
ففي حضنها مهد لكم ومباءَة |
وفي قلبها عطف عليكم وتحنان |
فما بالكم لا تحسنون وواجب |
على الابن للأمِّ الكريمة إحسان |
فمن مبلغ الأعداء أن بلادنا |
مآسد لم يطرق ذراهن سرحان |
وإنا إذا ما الشر أبدى نيوبه |
رددناه عنا بالظُبَى وهو خزيان |
هذه هي حقيقة أمومة الوطن.
|
على أرضه وُلد الأبناء، ومن خيراته رضعوا في الطفولة وأكلوا في الكبر، أظلَّهم من هجير الحر ووقاهم من سموم الرياح، ونعموا في حضنه بالدفئ عند اشتداد البرد، حنَّ عليهم حينما مستهم البأساء فانتشلهم من مستنقعات الضياع والمرض والقلق وشتى الكروب.
|
وكما أنّ الأم لها فضل كبير يقتضي برها، ولها مكانة تستدعي الإحسان إليها، فإنّ الوطن له على بنيه حق كبير .. له عليهم أن يحسنوا إليه ويخدموه خدمة الصادق المخلص الغيور، ويعلو شأنه مادياً ومعنوياً .. ولا يرفع الأوطان غير بنيها المخلصين.
|
وإذا فقد المرء وطنه أو ابتعد عنه شعر بالألم والمرارة, توالت عليه الأحزان وتسلّطت عليه الأوهام والفتن، أما إذا عقَّ بلاده فإنّ مآله الهزيمة والخسارة العاجلة لأنّه لن يجد لبلاده ووطنه بديلاً!!
|
ولقد وجدت أنَّ خير الدين محمود بن محمد الزركلي من خير من سجَّل هذه المعاني شعراً قوياً جميلاً صادقاً .. فهو يقول في مقدمة ديوانه المطبوع عام 1400هـ:
|
العين بعد فراقها الوطنا |
لا ساكناً ألفت ولا سكنا |
ريَّانة بالدمع أقلقها |
أن لا تحس كرى ولا وسنا |
كانت ترى في كل سانحة |
حسناً، وباتت لا ترى حسنا |
والقلب لولا أنةٌ صعدت |
أنكرته وشككت فيه أنا |
ليت الذين أحبهم علموا |
وهم هنالك ما لقيت هنا |
ما كنت أحسبني مفارقهم |
حتى تفارق روحي البدنا |
وإذا كان قلة من المواطنين قد أساءوا إلى وطنهم وخانوا الأمانة وعقُّوا الأهل والأقارب، فإنّ أعمالهم تلك وصمة عار وموقف ذل وأمارة هوان وانحراف .. يقول الزركلي:
|
عطفوا عليك فأوسعوك أذى |
وهم يسمُّون الأذى مننا |
وحنوا عليك فجرَّدوا قُضُباً |
مسنونة وتقدَّموا بقنا |
إنّ الغريب معذَّبٌ أبداً |
إن حل لم ينعم وإن ظعنا |
وكل من سكن أو نزل ببلدٍ غير بلده فهو غريب .. ولن يجد سعادة وطمأنينة وراحة نفسية مثل التي يلقاها في وطنه.
|
والمملكة العربية السعودية مهبط الوحي ومنبع رسالة الإسلام وعرين عبد العزيز آل سعود مؤسس دولة التوحيد، وباني حضارتها .. هذا البلد الكريم هو في الذِّروة من الأوطان، وهو الثُّريا إذا كانت البلدان ثرى موطن العز والإباء والشيم والمكارم والأخلاق ..
|
هذا الوطن العزيز ملأ حُبُّه شغاف القلوب وأسر الأفئدة وملَك المشاعر والأحاسيس؛ فجاءت أشعار أبنائه وصفاً وذكراً لبعض ما تكنه القلوب ويملأ النفوس والعقول.
|
|
يا موطناً لا الأرض تنكر فضله |
يوماً ولا الأهلون والغرباء |
في كل أفق أشرقت أعلامه |
فالكون من أنواره وضَّاء |
|
الحبُّ في وجداننا الوطن الذي |
نشدو به والجنَّة الخضراء |
وإذا تفاخرت المدائن والقرى |
فهو السُّهى والقلعة الشمَّاء |
من أرضه انطلقت كتائب زحفنا |
في خطوها شممٌ وفيه مضاء |
وفي معاني الوطنية وحب الوطن أورد زين العابدين الركابي كلمات مشرقة ثمينة فيها تأصيل لهذه المعاني السامية .. نقتطف منها ما يلي:
|
يقول الركابي: أعلى القرآن قيمة الوطن حين أوجب القتال من أجله والدفاع عنه {وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا}، {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَق}.
|
وفي لفتة إلى مكانة الشعر وأهميته في حياة الوطن وأهله يقول الركابي (والشعر فنٌ جميل، لا يستطيعه إلا فحول اللغة، ولقد زخرت جزيرة العرب بهذا الفن الجميل، ينثال من أفواه فحول الشعراء العرب: كلماً بليغاً، موزوناً ومقفى، وعلى الرغم من اتجاهات السوء والانحراف في هذا الشعر فإنه انتظم في المحامد والقيم والفضائل ما انتظم).
|
وأورد الركابي بعضاً من أقوال الملك عبد العزيز آل سعود - رحمه الله - في هذا الجانب، ومنها قوله - رحمه الله -: (عندي أمران لا أتهاون في شيء منهما ولا أتوانى في القضاء على من يحاول النيل منهما ولو بشعرة .. الأول: كلمة التوحيد لا إله إلا الله محمد رسول الله .. إني والله وبالله وتالله أقدم دمي ودم أولادي وكل آل سعود فداء لهذه الكلمة لا أضن به .. والثاني: هذا الملك الذي جمع الله به شمل العرب بعد الفرقة، وأعزّهم بعد الذلّة، وكثرهم بعد قلة، فإني كذلك لا أدخر قطرة من دمي في سبيل الذود عن حياضه) كتاب مفهوم الوطنية ص43- 44 .
|
وختام جولتنا في هذا المقال مع نونية رائعة بديعة أحكم نظمها وأجاد نسجها صاحب موهبة فذّة وملكة في الشعر قوية إنه الشاعر الدكتور سعد بن عطية الغامدي وهي قصيدة نظمها في عام 1412هـ ويحار المتأمل فيها من أين يبدأ وماذا يختار وكلها درر .. ومراعاة لحجم المقال ودواعي الحال اخترت من القصيدة هذه الأبيات وهي جواهر من عقد فريد، وقد نشرت في ديوانه (شطآن ظامئة) ص81 وما بعدها.. يقول الغامدي:
|
للمجد فوق ثراك طيب مغاني |
وله إليك مطالبٌ وأماني |
يا قبلة الطهر العميق وصفوه |
يا برد كل حشاشة وجنان |
هانت لمجدك أن ينال نفوسنا |
وأريق دونك كل أحمر قان |
اليوم نبني وحدة عن وحدةٍ |
كبرى ونصدر عن أعزّ كيان |
ونقيم ميزان العدالة في الورى |
هل غير شرع الله من ميزان؟ |
يا راية التوحيد مجدك عامرٌ |
وسناك يغبط نوره القمران |
يا أم كل الطيبين قلوبهم |
تهوي إلى واديك في اذعان |
إن كان دين الناس حب بلادهم |
فهواك فوق محبة الأوطان |
فالوحي فوق سماك مجدٌ أول |
والبيت فوق ثراك مجد ثاني (..ا..هـ) |
|