Al Jazirah NewsPaper Friday  12/06/2009 G Issue 13406
الجمعة 19 جمادىالآخرة 1430   العدد  13406
أحداث زهدان.. هل انقلب السحر على الساحر؟!
د. سعد البريك

 

في الوقت الذي ينتشر فيه ما يردده بعض المحللين من أن حكومة إيران تقف وراء عدد من أعمال الفوضى والشغب في بعض الدول، تشهد مدينة زهدان الإيرانية أحداثاً نوعية تخللها تفجير من العيار الثقيل استهدف الحرس الثوري وخلف أكثر من 25 قتيلا و145 جريحا!

التفجير اعتبره المراقبون منعطفا خطيرا في الوضع الأمني الإيراني بغض النظر عن الجهة التي نفذته، فإطاره العام يعني أنه اختراق أمني نادر الحدوث!

وبرغم أن بعض الجهات سارعت إلى استبعاد أن يكون للمعارضة يد في العملية على اعتبار أنها تخدم برنامج المحافظين الانتخابي إلا أن تبني حركة جند الله السنية للتفجير جاء حاسماً وسريعاً!

فمن المعروف أن في إيران معارضة قوية متفرقة حول المحيط الإيراني من كل جهة، ومع أنها متفاوتة في الشكل والقوة إلا أنها جميعها توجد في مناطق مهيأة لانفجار كبير في أي لحظة لأسباب لها علاقة بالاضطهاد القومي والمذهبي وما ينتج عن ذلك من تهميش شامل لهذه المناطق على كل صعيد، وقد شهدت هذه المناطق (خوزستان وكردستان وسيستان وبلوشتان) مواجهات مسلحة قوية خلال العامين الماضيين.

لكن عملية التفجير الأخيرة وقعت في أشدها حرارة وأكثرها معارضة وهي منطقة بلوشستان الواقعة في شرق وجنوب شرق إيران! وتقطنها القومية التركمانية والبلوشية ذات الأغلبية السنية وأهم تنظيماتها حركة جند الله وحزب الفرقان وحركة الجهاد الإسلامي.

العملية كشف دويها الذي سمعه العالم حقيقة الداخل الإيراني الذي طالما لفه الغموض والتعتيم الإعلامي الشامل!! فحجم العملية وتبني تنظيم جند الله (السني المذهب) لها أعطاها بعداً إعلامياً للصراع الداخلي الإيراني.. فالناس - عموم الناس - أصبحوا يدركون أن الصراع في إيران يتجاوز حدود ما بين المحافظين والإصلاحيين (وهو صراع تنوع بين أبناء المذهب الواحد) لكن هناك أمة سنية منسية لها موقعها ووجودها ومذهبها ورجالها وتنظيمها وسلاحها وأهدافها ومطالبها وتمثل بمذهبها ثلث الإيرانيين.. وكما يوجد في لبنان تنظيم شيعي مسلح اسمه حزب الله ويلعب دوره العسكري والسياسي فأيضاً يوجد تنظيم سني في إيران اسمه جند الله، وقد يلعب دوره العسكري إن لم يكن قد بدأ ذلك ليفرض أيضاً وجوده السياسي الطبيعي في تشيكلة الدولة!

تنظيم جند الله الذي تبنى العملية خاض معارك عديدة مع النظام الإيراني اتضحت معالمها بشكل متدرج بعد تأسيسه سنة 2002م فهذه ليس أول عملية يقوم بها ضد النظام ففي السنة الماضية 19 -9- 1429 قتل قائد قوات فتح الإيرانية مع ثلاثة من الضباط في معارك خاضها في إقليم سيستان بالإضافة إلى اختطاف 16 من الحرس الثوري مطلع العام الجاري وقتل 12 شرطيا في كمين بإقليم بلوشستان وقد ألحقت هذه العمليات وغيرها فضيحة فادحة بالنظام الإيراني لا سيما بعد اعتراف أسرى الجيش الإيراني بمخططات حكومية ضالعة في التنكيل بالسنة البلوش.

لكن عملية الخميس اعتبرها المراقبون منعطفاً تاريخياً في انتقال المعارضة السنية المسلحة إلى مرحلة استراتيجية جديدة توحي بقدرتها على توجيه ضربات موجعة لمفاصل النظام بقوة وبقدرتها على تحديد الزمان والمكان! فالعملية هي الأعنف منذ عشر سنوات!

التفجير يحمل في توقيته ومكانه وغايته دلالات عميقة كما يحمل في مشهده العام رسالة جديدة للنظام الإيراني برمته!

فالتوقيت هو فترة انتخابات رئاسية! من المفروض أن يكون الوضع الأمني فيها مستقراً يعكس قدرة الحكومة على إدارة الملف الأمني بنجاح!

والمكان مدينة زاهدان هو مكان الأغلبية السنية التي تهدف إلى تحقيق مطالبها وإنهاء حالة المعاناة والاضطهاد وإن بالاستقلال! كيف لا وبعض المنظمات التابعة لإيران كثيراً ما تلوح بذلك. والجهة المستهدفة هي إحدى واجهات النظام العسكرية وهي (البسيج) وهي قوات سيئة السمعة في نظر بعض الشيعة الإيرانيين المشاركين في النظام ففي هذا الأسبوع وبعد التفجيرات خاطب رئيس البرلمان الإيراني السابق مهدي كروبي الجماهير من أنصاره في جامعة أمير كبير متهماً البسيج بقوله: (لا أريد البسيج لا أريد الحياة الضنك، أتطلع معكم إلى الحرية) فإذا كان هذا موقف رئيس برلماني سابق ومرشح حالي للرئاسة في إيران، فماذا سيكون موقف الأقليات السنية المضطهدة؟!.

أما الرسالة التي تحملها العملية فهي تأسيس لمرحلة صراع جديدة بين سنة إيران والنظام مرحلة تعكس تطوراً نوعياً في أسلوب الردع وإدارة الصراع فمنذ زمن بعيد لم تشهد إيران عملية بهذا الحجم، وهذه القوة فبرغم أن تنظيم جند الله لم يتوقف عن محاولاته إلا أن هذه العملية بالذات كشفت عن قوة التنظيم ودخوله في مرحلة استراتيجية جديدة.

ومقارنة بالطموحات الإيرانية المعلنة في تطلعها لاكتساب صفة العظمة (إيران العظمى) واتهام العديدين لها باختراق دول المنطقة والسعي لاستنساخ (حزب الله) في مشارق الأرض ومغاربها.. مقارنة بهذا كله تعتبر العملية شيئاً استثنائياً في تاريخ صراع أهل السنة في إيران مع النظام الإيراني! فالعملية تفتح بعداً جديداً ليس فقط لصراع مذهبي طائفي داخل إيران بل تعطي إشارات خضراء لكل من له هدف استراتيجي في إذكاء الصراع!! وهو ما يتخوف منه المسؤولون الإيرانيون وقد اتضح ذلك جليا في تعليقهم على التفجير!

ورأى محللون أن العملية تعكس رد فعل مباشر على السلوك السياسي الإيراني في تعمدها إذكاء المذهبية والنعرات الطائفية في المنطقة العربية! بل رأى آخرون أن ما ينتظرها من العمليات في الداخل أشد وأنكى وهنا - إن صح ذلك - فسيكون السحر قد انقلب على الساحر.

ورأى آخرون أن ذلك نتيجة لتعنتها في الملف النووي والصراع مع أمريكا وهو بعيد!!

وما يؤكد البعد الاستراتيجي للعملية وأنها ليست مناوشة عابرة هو ما وقع بعيد التفجير بأيام قليلة إذ شهدت إيران محاولات وعمليات في مناطق متفرقة فقد تم الإعلان عن تفكيك قنبلة على متن طائرة مدنية متجهة من الأهواز إلى طهران بعد ربع ساعة من إقلاعها تقل 131 راكبا! بالإضافة إلى هجوم على مركز انتخابي بزاهدان بعد يومين من التفجير! ما يوحي بأجواء حرب عصابات (استنزافية) قد تشهدها البلاد وهو ما صرح به بالفعل الناطق باسم جند الله كمال ناروئي لصحيفة الوطن الكويتية.

وإن كان العقلاء من جميع الطوائف والمذاهب والملل يدركون خطر استهداف المدنيين ليكونوا ذخيرة في تصفية حسابات السلطة والمعارضة في أي مكان، إلا أن خطورة العملية وبعدها الاستراتيجي أيضاً يكمن في أنها نذير شؤم على الأمن القومي الإيراني، فموقعها حدودي مطل على ثلاث دول هي باكستان وأفغانستان وعمان ما يعطي مساحة واسعة للمناورة والحركة للمعارضة المسلحة في المدن الحدودية وهذا الموقع تسكنه قومية مضطهدة باختلاف مذاهبها هي البلوش وغيرهم وناقمة بشكل كبير على النظام وهي ذات أغلبية سنية تتبنى الكفاح المسلح لإرغام النظام الإيراني على الاستجابة لمطالبها.

كما أن لوجودها امتداداً خارج الحدود وعلى تماس مع دولتين في حالة حرب ما يجعل الأمن القومي الإيراني معرضاً لمزيد من الانفجارات في مناطق أخرى! لا سيما في ظل وجود الطبيعة الجغرافية المساعدة على حرب العصابات والمناورة!

هذا بالإضافة إلى أن المناطق الساخنة في إيران موزعة على المحيط الجغرافي الإيراني تمثل جميعها طوقاً مختلفاً عن الداخل الإيراني في المذهب والعرق والثقافة بل له امتداد جغرافي خارج الحدود وهذه المناطق هي بلوشستان وخوزستان وكردستان وكلها تشتمل على تنظيمات معارضة لا تخلو من تبني السلاح!.

لكن البعض يرى أن عملية كهذه لا تخدم مطالب السنة بل تخدم المحافظين في الانتخابات الرئاسية الحالية! بينما يرى المحللون أن منطقة سيستان بلوشستان لا يعنيها الفائز وترى أن الإصلاحيين والمحافظين سواء فمواد الدستور التي تنص على بعض حقوقهم بقيت حبراً على ورق في العهدين معاً، ولم يختلف حالهم كثيراً قبل الإصلاحيين عنه بعدهم!! وإذاً فالذين قاموا بالعملية لا يهمهم من الفائز!! بقدر ما يهمهم أهداف محددة أرادوها من العملية.

ومن الواضح جداً أن النظام الإيراني أصيب بارتباك شديد إثر تفجيرات زاهدان الأخيرة يتضح ذلك في تضارب الأنباء بين الوكالات الرسمية، ففي الوقت الذي أعلنت فيه إحدى المحطات الإعلامية أن الهجوم تم بواسطة (انتحاري) قال محافظ بلوشستان إنها عبوة ناسفة! كما اتضح الارتباك في الإعلان السريع والمحاكمة الفورية لعناصر قال عنها مسؤولون إيرانيون بأنها ضليعة في الهجوم وتم إعدامهم بعد يومين من التفجير! ولا شك أن هذا محل نظر يؤكد محاولة الحكومة إثبات السيطرة على الموقف ولو بارتجال الموقف، فيما أكدت الجهة المنفذة أن العناصر الثلاثة وهم (ذبيح الله ناروئي وحاجي نوتي زهي وغلام رسول شاهبو زهي) تم اعتقالهم قبل الهجوم في نشاطات ثقافية، وهو ما أكده مسؤول إيراني، ومع ذلك أصر على أنهم ساعدوا في نقل المتفجرات وتهريبها!!

إيران أشارت بأصابع الاتهام إلى دعم جهات (قواعد متمردين) باكستانية للعملية وهو ما أكده رئيس أركان القوات المسلحة الإيرانية الجنرال حسن فيروز آبادي وقد استدعت إيران بالفعل سفيرها في إسلام آباد إلى وزارة الخارجية.

ويرى المتابعون للشأن الإيراني كذلك أن (الحكومة الإسلامية!؟) في طهران دأبت منذ الثورة على تصفية رموز السنة ونشطائهم إما بتغييبهم في غيابات السجون أو بإعدامات علنية بمحاكمات صورية أو باضطرارهم إلى الفرار خارج إيران خوفاً من البطش والتنكيل! ويعزو معظم المراقبين ذلك إلى الطبيعة المذهبية للنظام الإيراني والذي تنص مادته 12 بوضوح أن: (الدين الرسمي لإيران هو الإسلام، والمذهب الجعفري الاثنا عشري، وهذه المادة غير قابلة للتغيير إلى الأبد) ولعل هذا ما يفسر الاضطهاد السياسي والاجتماعي والاقتصادي والديني الذي يشكو منه ثلث الشعب الإيراني الذين يمثلون المذهب السني ومنهم البلوش في شرق وجنوب شرق إيران! وبالإضافة إلى ذلك يشكو من سياسة (المساجد المحروقة) بالإضافة إلى منع بناء مسجد واحد في العاصمة طهران في الوقت الذي توجد فيه كنيسة للنصارى ومعبد لليهود ويضطر المسلمون السنة إلى إقامة صلاة الجمعة في السفارة الباكستانية ولا تقف الحكومة الإيرانية عند هذا الحد بل تعمد إلى هدم المساجد في مناطق الأغلبية السنية.

ومن المتوقع جدا لدى المراقبين أن يشتد التوتر المذهبي في إقليم سيستان بلوشستان وأن يشهد الإقليم تدخل الحكومة الإيرانية بقوة على إثر هذه الأحداث، وهذا السلوك السياسي (المذهبي) في الداخل هو ما شكل ضغطاً قوياً في السابق تولد منه انفجار مساو له في القوة، فالضغط يولد الانفجار!.

وإذا كان حزب الله الشيعي اللبناني مدعوماً من قبل إيران يدور في فلك أهدافها الاستراتيجية في المنطقة! فمن يا ترى دعم أو سيدعم جند الله السني أو السنة في إيران؟! يتساءل بعضهم!. أليس ثمة من له في إيران أهداف استراتيجية ينشدها، كما لإيران أهداف تنشدها في بعض الدول الأخرى؟!.

فهل يعي النظام الإيراني الحكمة القديمة (إذا كان بيتك من الزجاج فلا ترم الآخرين بالحجارة)؟!!.

* * *




 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد