Al Jazirah NewsPaper Friday  12/06/2009 G Issue 13406
الجمعة 19 جمادىالآخرة 1430   العدد  13406
بين اثنين
العلاقات العنصرية لا زالت بالأبيض والأسود

هوليود - محمد رضا

قد تبدو الأمور مستتبة على صعيد العلاقات بين الشعوب والعناصر البشرية.. لكن الرماد لا يزال ساخناً رغم المظاهر.

في أحد المشاهد الأولى من فيلم (جرّني إلى الجحيم)، ذلك الفيلم الذي حاول أن يكون مرعباً وغاب عنه أن يكون جيّداً، نشاهد بطلة الفيلم آمي أدامز وراء مكتبها في أحد المصارف تنجز معاملة لزوجين شابّين: هي أمريكية وهو ذي ملامح شرق آسيوية. قد يكون عربياً أو هندياً. هذا لا يهم لأن المشهد مهتم بقول شيء آخر: الموظّفة تخدم عملاءً أجانب سعداء بانفتاحها ومقبلون ناجحون على الحياة الزوجية. نعرف ذلك من خلال الابتسامة العريضة على محيا كل من الزوجين ومع تطمينات الموظّفة بأن كل شيء سيكون على ما يرام.. لكن هذا المشهد ديكوراتي لا ينعكس على حالات أخرى ولا حتى حقيقة أن الولايات المتحدة انتخبت أول رئيس جمهورية من أصول أفرو - أمريكية. ليس أن هناك أفلاماً عنصرية كثيرة، لكن ما هو هناك قدر من الأفلام التي لم تحل بعد المسائل العنصرية في الجزء الخلفي من رؤوسها. تلك المسائل لا تزال تفقع كما (البوب كورن) الذي يبيعونه في الصالات قبل العرض. أحد آخر الأفلام التي نرى فيها حالات عنصرية نصف متوارية هو فيلم للمخرج ستيف شيل بعنوان: .(Obsessed)

عن تلك السكرتيرة المؤقتة البيضاء (آلي لارتر) التي تنضم لمكتب رئيس إدارة أسود (إدريس إلبا) وتحوم حوله من اللحظة الأولى محيطة إياه باهتمام بالغ وبابتسامة مغرية ورغبة لا تحتاج إلى الإعلان. لكن رئيس المكتب متزوّج من المرأة الأفرو أمريكية أيضاً (بيونس نولز) وسعيد في حياته الزوجية. لكن هذا لن يكون سدّا منيعاً والأحداث تتوالى من خلق صراع أخلاقي بين المواقف والرغبات.

من البداية يلعب الفيلم على واقع الأبيض والأسود. الأسرة سعيدة لكن هل هذا يمنع الأفرو- أمريكي من التجاوب لتلك المرأة اللعوب؟.. السؤال الثاني على الفور هو كنه تلك النتيجة السلبية التي ستحظى بها السكرتيرة في نهاية الفيلم، والتي هي بمثابة المفاد أو الدرس الذي على المشاهد أن يستوعبه. المفاد هو أن العلاقة بين آل أجناس خطأ وأن ذوي البشرة السوداء عليهم أن يرضوا ببعضهم البعض، والمرأة البيضاء التي قد يستهويها الرجل الأسود سوف تنتهي نادمة على خياراتها. ليس فقط أن هذه الرسالة لا تستند إلى واقع فهو مليء، والثقوب ما يجعل القاعدة السائدة عبارة عن استثناءات كثيرة، بل أيضاً هو خطاب في العنصرية قديم ومتآكل.

هناك قراءة أخرى للفيلم: المرأة البيضاء هي خطر على حياة السود. لكن ما يعنيه ذلك لا يقل عنصرية إنما من وجهة نظر أفرو- أمريكية ومغزاه يؤدي إلى ذات المفهوم الوارد في القراءة الأولى وهو أنه من الأولى أن يحافظ كل عنصر على لون بشرته عن طريق الزواج ممن هم من ذات اللون.

تقاليد بالية

قبل هذا الفيلم بأسابيع قليلة شاهدنا عملاً يحاول أن يطرح الموضوع بسواسية مثيرة للريب. إنه فيلم:

( Crossing Over).أو (تجاوز) الذي أخرجه واين كرامر، أيضاً جديد في ركب المخرجين كما الحال مع ستيف شيل.. ومحوره مثير للاهتمام: عدة قصص تدور حول الخليط الأمريكي غير القابل للذوبان. فالمعروف أن عبارة: (Mixing Pot) هي التي سادت لحين طويل في وصف المجتمع الأمريكي القائم على تعدد العناصر والأعراق البشرية الموجودة فيه من عرب ومكسيكيين وآسيويين شرقيين وهنود وسود وبيض. لكن هذا الفيلم أراد القول أن الخلطة غير سليمة وأنه بعد الحادي عشر من أيلول - سبتمبر لابد من إعادة النظر في القوانين التي تتيح للمهاجرين (وجلّهم حسب الفيلم لا يؤمَن لهم) الاختلاط بالمجتمع الأمريكي طالما أنهم لا يزالوا محافظين على تقاليدهم (البالية) و(المتوارثة).

المثال الوارد في الفيلم عائلة من الإيرانيين - الأمريكيين المنشقّة على نفسها: الفتاة متحررة. الشقيق والأب متزمّتان. لم لا يقتلانها غسلاً للعار.. الأفدح من ذلك أن القتل تم بمعرفة شقيق ثان يعمل في البوليس لجانب بطل الفيلم (الأبيض) هاريسون فورد.

عائلة مسلمة أخرى، هذه باكستانية أو أفغانية، تكتشف أجهزة الأمن أن ابنتها الشابّة التي ترتدي رداء الرأس من الحجاب في المدرسة، لديها ملفّات على الكومبيوتر ومواقع تُعتبر خطراً على الأمن القومي. القرار لا بسجنها إلى أن يتم إصدار حكم ما بشأنها فقط، بل إن ذلك الحكم ينضوي على إرسالها وأمها إلى حيث جاءتا. هذا، في رسالة الفيلم، خير طريقة للحفاظ على الأمن من.... المسلمين!.

وليست كل الحكايات عن مسلمين

في الفيلم نماذج أخرى أحدها نموذج لعائلة كورية منقسمة أيضاً على نفسها إذ إن الابن الأصغر قابع تحت ضغط العصابة الكورية وسوف يشترك بجريمة سرقة لمحل لكي يبرهن على أنه ليس الابن المدلل الوجل والخائف من العائلة. خلال تلك العملية يعترضه تحرٍ آخر من أصل آسيوي يحاول إنقاذه من القبض عليه بسبب سنّه وكون الجنحة هي الأولى، ولأن عائلته ستقسم يمين الولاء إلى أميركا في اليوم التالي حين تستلم هويّاتها الأمريكية التي حلمت بها. في تجنيبه المزالق فعل خير وحكمة من ناحية لكنه خروج عن القانون من ناحية أخرى.

التضحية لأجل الآخر

هذا الفيلم ما هو إلا صدي لفيلم سابق أخرجه بول هاجيز بعنوان (صدام) سنة 2004 (غير فيلم آخر بنفس العنوان لا يعنينا هنا من إخراج ديفيد كروننبيرغ)، وقام ذلك الفيلم على تعدد الحكايات في الفيلم الواحد كما على تعدد الأصول العرقية لمن فيه: هناك الزوجان الأفرو - أمريكيان اللذان يشهدان تجربة مرّة من الضابط العنصري (مات ديلون) الذي تحسس الزوجة من دون أن يتحرّك الزوج محتجاً.

وهناك المكسيكيون الآلون إلى الجريمة والثنائي من السود الذين آلوا قبل ذلك إلى الجريمة. ثم هناك صاحب المحل المسلم الذي لا تود شراء أي شيء من دكانه نظراً لطريقته المستهجنة في الحياة والتعامل ولريبته المسبقة في كل شيء (حضاري) أو (مختلف).

الحقيقة أن المسألة العنصرية لم تُحل بعد لا في الحياة ولا في السينما، لكن إذا ما كانت السينما مرآة عاكسة فإن الرأي الذي يمارسه المخرج عبرها هو الذي عليه أن يجعلها مرآة ناطقة تهدف لتغيير السيئ وتبديل الملامح السلبية للمجتمع بأخرى إيجابية، وسنرى أن أفلاماً قليلة جدّاً هي التي تفعل ذلك.. أحد هذه الأفلام القليلة جدّاً هو (غران تورينو) لكلينت ايستوود.

في شتّى أفلامه السابقة، لم ينس ايستوود التعامل مع الأقلّيات: في كل فيلم من سلسلة (هاري القذر) التي كانت من بين أولى نجاحاته الشعبية هناك مساعد له من الأقليات: أسود في فيلم، لاتيني في فيلم آخر وآسيوي في فيلم ثالث. وحين لم يعد هناك أقليّة يمكن الإستعانة بها وضع امرأة كمساعدة. في تلك الأفلام، ووصولاً إلى (غران تورينو) (آخر أفلامه وعرض في مطلع هذا العام) نجد أنه ينتقد نفسه بنفسه. يقدّم صورة مثالية لمن يخاف الآخر أو يخشاه، لذلك يحاول وضع حاجز يبعده عنه لكنه يدرك مع ختامات الفيلم أن يكون لهذا الطرف الآخر تقدير واجب.

في (غران تورينو) لخّص كل هذه الأمور في حكاية حول ذلك المواطن العجوز الذي شهد عبر السنين كيف تحوّل الحي الذي يسكنه من أبيض إلى ملوّن. جيرانه آسيويون وقريب منه مرتع لعصابات مكسيكية وأخرى أفرو - أمريكية، لكن الفيلم ليس عن كيف سيواجه العصابات لأن الموقف من تلك العصابات محلول في الوعي الباطني لدى المشاهدين. ما يدور الفيلم عنه هو كيف سيواجه ذلك الرجل نفسه وسينتصر على تحفّظاته وعنصريته ويتعاطى، وللمرة الأولى، مع العنصر الآخر وبل سيضحّي بنفسه لأجل أن تعيش مطمئنة.




 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد