جولة - عبدالله الزهراني - تصوير - خليل الحدادي
مبانٍ حديثة وأخرى قديمة.. شوارع معبدة جميلة وأخرى ترابية رديئة، تلك هي بعض من مشاهد للمتناقضات التي يعيشها أهالي حي الروابي شرق عروس البحر الأحمر مدينة جدة، أو كما يحلو للبعض تسميته حي (المدارس). الزائر للوهلة الأولى لحي الروابي الذي يقع بالتحديد على امتداد طريق الحرمين السريع ويشهد كثافة سكانية كبيرة يتبادر إلى ذهنه بأنه من أهدأ الأحياء وخاصة إذا كانت الزيارة في منتصف الظهيرة، ولكن العارفين بأمور هذا الحي يعلمون يقيناً أن الصورة حتماً سوف تتغير وتنقلب رأساً على عقب في المساء وخاصة في فترة الإجازات أو بعد المناسبات الرياضية، لأن الحياة فيه لا تطاق والضجيج فيه لا يحتمل. وبالتأكيد ليست تلك هي المتناقضات الوحيدة بل هناك العديد من مظاهر التباين في ذلك الحي والتي ستكشفها عنها جولة«الجزيرة»، فإلى معرفة المزيد من التفاصيل:
الشباب والتقليعات الغريبة
من أحد الشوارع الرئيسية وهو ما يسمى (الخطين) قُدر لنا أن تكون بداية الجولة، آثار إطارات السيارت منتشرة بشكل واضح على وجه الطريق العريض ترسم لوحة مأساوية مميزة، أبطالها بالتأكيد هم المفحطون، تلك الدوائر وهي منقوشة بشكل شبه دائري في أنحاء متفرقة تحكي معها معاناة حقيقية وتنعكس منها هموم قديمة عاشها ويعيشها أهالي حي الروابي في ذلك الطريق بصفة دائمة.
أحمد عبدالله أحد شباب الحي وفي منتصف العقد الثاني يفيد أن هذا الطريق مشهور كميدان للتفحيط على مستوى محافظة جدة، حيث يتوافد عليه أبرز المفحطين ويستهوي الشباب المراهقين الذين لم تنفع جهود الدوريات الأمنية في إنهاء ومعالجة مشكلتهم بشكل نهائي رغم وضع العديد من المطبات الاصطناعية التي لم تفد هي الأخرى في القضاء على هذه الظاهرة.
محمد الغامدي أحد قاطني الحي القدماء يقول: المطبات الاصطناعية تم وضعها لإزعاج المفحطين وعدم تمكينهم من ممارسة التفحيط في هذا الطريق ولكن الآية انعكست وهي الآن أزعجت وضايقت السكان فقط وخاصة عند توصيل الأبناء من وإلى المدارس!! ونرى إزالتها لأنها لم تنفع في الحد من مشكلة التفحيط في الخطين، حيث يعتمد العديد من الشباب في عملية التفحيط بسيارات مستأجرة ولا يعنيهم وجود مطبات صناعية من عدمه.
مسرح للهوايات والتقليعات
ومن المؤسف حسب معلومات من مصادر من الأهالي أن هذا الطريق قد حصد عدداً من الأرواح البريئة معظمها من صغار السن، كما يشتهر الحي بتقليعات شبابية غربية وهواية الاستعراضات منتشرة أيضاً، فلا عجب في أن تجد السيارات التي تم تعديلها والقصات الغريبة تتجول في أرجاء متفرقة من الحي حتى أصبح الحي بمثابة مسرح يتخذه أبناء الحي والأحياء المجاورة يمارسون فيه هواياتهم ونشاطاتهم اليومية واجتماعاتهم.
حي عتيق وشوارع ضيقة
تركنا الشارع الرئيسي خلفنا وتوجهنا صوب الحي القديم، سلكنا أحد الشوارع الضيقة حيث أوصلنا إلى وسط الحي القديم الذي قد شكلته أمانة جدة ضمن المجموعة الثالثة من الأحياء العشوائية بالمحافظة، وقد كانت بداية جولة أخرى ممتعة، منازل متقاربة تصل إلى حد التشابك مع بعضها البعض، وبيوت إسمنتية تحيط بها منازل شعبية الطراز ولكنها تسابق الإسمنتية في الارتفاع، أما منظر الطرقات الفرعية الضيقة والتي لا يزيد عرضها عن المتر الواحد فهو يدق ناقوس خطر محدق يصعب معه وصول آليات الدفاع المدني أو سيارات الهلال الأحمر لإنقاذ وإسعاف المصابين في تلك الأماكن في حالات الطوارئ والحرائق والتي يسكن غالبيتها من مخالفي الأنظمة والإقامة، كما أن تلك المواقع بالتأكيد غير معبدة وتشكو من تدني مستوى الخدمات المتعلقة بالنظافة خدمات الرش والتعقيم.
الأهالي عبروا عن ما بداخلهم ونثروا مشكلاتهم وقالوا الحي كسائر أحياء مدينة جدة يعاني أشد المعاناة من العمالة غير النظامية والذين يرتكزون بصفة خاصة في (كوبري العمال) ذلك الموقع الذي يجتمع فيه عدد هائل من العمالة السائبة والتي تتميز برخص أجرة اليد العاملة إلا أنهم وللأسف ليسوا متخصصين، بالإضافة إلى وجود شارع آخر يسمى (شارع الصوماليين) والذي يقطنه مجموعة كبيرة من الجنسية نفسها يشكو ساكنوه مشكلات مستمرة وحدوث بعض الجرائم بين فينة وأخرى.
30 مدرسة ما يميز الحي
الحي يسميه أهله حي (المدارس) ويعتبرون ذلك ما يميزه عن باقي أحياء عروس البحر الأحمر حيث يقدر مجموع ما يحضنه حوالي 30 مدرسة ما بين بنين وبنات وفي مختلف المستويات الدراسية بالإضافة إلى مدارس تحفيظ القرآن ورياض الأطفال ولكن يعيب على الحي ندرة الشقق الشاغرة الأمر الذي اعتبره عدد من ساكنيه سبباً في ارتفاع أسعار السكن في الآونة الأخيرة بشكل كبير، حيث قد تستغرق عملية إيجاد شقة سكنية في موقع جيد من الحي عدة شهور.
كبري العمال علامة فارقة
(كوبري العمال) هو العلامة الفارقة بحي الروابي، وعند بزوغ ساعات الصباح الأولى تجد حشوداً هائلة من العمال المخالفين لأنظمة الإقامة من جنسيات عربية وأفريقية وقد انتشروا في موقعهم المعتادة اليومية يضايقون بذلك المارة من الطلاب والطالبات وغير مبالين بآداب وحقوق مستخدمي الطريق في السير بأمان وخصوصية وحرية، حيث يعرضون خدماتهم للمواطنين بأثمان يراها البعض زهيدة وفور وصول أحدهم بسيارة سواء يرغب في خدماته أو يقف لأي سبب آخر ينطلقون مسرعين عليه لينقضوا عليه كفريسة في مظهر غير حضاري يربكون الحركة والسير ويهددون الأمن ويقلقون مضاجع سكان الحي يومياً.
سبع صنايع والبخت..!
وبحسب رواية أحدهم يحكي قصة لأحد أقاربه له تجربة سابقة مع أحد العمال المخالفين لأنظمة الإقامة ونظراً لضيق الوقت فقد آثر الاستعانة بأحد العمال القابعين في كبري العمل وقبل الاتفاق بين الطرفين ادعى العامل أنه كهربائي ويستطيع عمل أي شيء آخر وعند الوصول إلى المنزل وتعريف صاحب المنزل للمشكلة بدأ العامل وهو من جنسية إحدى الدول العربية في مهام إصلاح العطل في الكابينة الرئيسية وأثناء انشغال صاحب المنزل في أحد الأركان سمع صوتاً مدوياً ورأى دخاناً كثيفاً وعند استطلاعه للأمر وإذا العامل قد ابتعد مسافة بعيدة ورائحة الاحتراق تعج في المكان، حينها اعترف العامل بأن الأمر أكبر من إمكاناته وأن معرفته في الكهرباء لا تتعدى إصلاح سلك مجروح بشريط لاصق فقط، ولكن من أجل لقمة العيش ولعدم وجود عمل آخر أضطر لفعل ذلك!.
قطار جدة يمر من هنا!
وخلال جولة «الجزيرة» أفاد بعض ملاك العقار بكبري العمال بأنهم تسلموا خطابات من إدارة الطرق والنقل بوزارة النقل من فترة تفيد بضرورة مراجعة مكتب جهاز الإشراف بجدة بسبب تداخل عقاراتهم مع المشروع الخاص بتنفيذ مسار السكة الحديدية وقد تم إعطاؤهم مهلة لذلك، كما تم اطلاع «الجزيرة» على الموقع المراد تنفيذ سكة الحديد فيه وفي حالة تنفيذ ذلك سوف تشهد المنطقة ارتفاعاً كبيراً لأسعار العقارات والمباني المجاورة. من جهة أخرى تحدث عدد من أصحاب العقارات بقوله: لا ندري صراحة ما هي تفاصيل القطار أو حدوده ولكن نرجو أن تكون الجهات المختصة منصفة في عملية التعويضات وأن يكون هناك عدل في هذه العملية حيث أن أغلب العقارات التي تم تبليغها يمتلكها ذوو الدخل المحدود.
وحول هذا الموضوع تحدث للجزيرة المهندس مفرح الزهراني مدير إدارة النقل والطرق بمنطقة مكة المكرمة والذي قال إن هناك دراسة لعدة خيارات وذلك لوضع آلية محددة لمسارات سكة الحديدة وأن هذه الخطابات التي تم توزيعها على الملاك تأتي في إطار حصر العقارات الموجودة في هذه المنطقة.
أحداث مؤلمة ونهاية مأساوية
من جانب آخر أشار أحد المواطنين إلى وجود مناظر مؤلمة وحالات دهس يشاهدها سكان الحي بين فترة وأخرى وذلك على الطريق السريع المحاذي للحي والذي يؤدي إلى الطريق الدولي والاستاد الرياضي حيث يضطر عدد كبير من السكان وخاصة طلاب وطالبات المدارس يومياً لقطع الطريق السريع مشياً على الأقدام من منازلهم وإلى مدارسهم التي تقع في الحي المقابل عندها تحدث الكارثة، مشهد مؤلم وهي قيادة صغار السن للسيارات بطريقة جنونية غير ملتزمين بالأنظمة والإجراءات المرورية يسرحون ويمرحون في طرقات الحي وتلك مشاهد طبيعية واعتيادية يشاهدها الجميع، كما أن حادثاً مروعاً حدث لشاب أثناء عملية التفحيط منذ بضع سنوات وارتطامه بشاحنة كانت متوقفة حينها وتناثر بعض أشلائه في الطريق هي من المشاهد العالقة في أذهان كثير من ساكني الحي حتى الآن!.
من كلام الناس.. الحي من دون رسال!
هموم الناس وطلباتهم كثيرة، فالبعض يطالب بزيادة جولات الدوريات الأمنية ليلاً وذلك بسبب ما يقوم به الشباب المراهقون من إزعاج وجلسات سمر في الشوارع وحتى داخل الحي القديم وأن ذلك يؤدي إلى بعض عمليات السرقة للسيارات والمحلات التجارية، والبعض الآخر يطالب الأمانة بتوفير إضاءة جيدة ومناسبة وتكثيف عمليات النظافة، كما يتوجهون إلى شركة المياه الوطنية ببذل مزيد من الاهتمام حيث تكثر بالحي حالات انقطاع للمياه بشكل متكررة مما يضطرهم إلى الاستعانة بوايتات التحلية لحل هذه المشكلة، الحي لا يعاني من مشكلة الصرف الصحي والذي أنجزت مصلحة الصرف الصحي المشروع من فترة ولكنها تعاني من بعض عمليات الحفر المتكررة ووايتات الصرف الصحي التي تتجمع بشكل كبير في أطراف الحي متخذة بذلك مواقف خاصة على الأرصفة وفي داخل الطرقات مسببة ازدحاماً كبيراً ومحدثة دماراً وتخريباً للأرصفة والطرقات، كما أن الحي يعاني من عدم وجود تغطية جيدة لإرسال الهاتف المحمول هي أيضاً من بعض مشكلات أهالي الحي الحديثة. علي البدوي أحد سكان الحي يقول عن معاناته مع شبكة الاتصال المحمول: للأسف أنا أحد سكان الحي الشعبي ولا يوجد فيه تغطيه لشبكة الجوال حيث يضطر البعض منا لكي يقوم بإجراء اتصالاته أن يخرج خارج المنزل بجانب موقف سيارته ومن ثم يتنقل يميناً وشمالاً لعله يعثر على نقطة قوية للإرسال، فيقوم بإجراء مكالمته وعند دخوله للمنزل تقطع الخدمة نهائياً من الجوال ولم يعد هناك أي إرسال ولا يمكن إجراء أي مكالمة إلا بالخروج من المنزل أو فتح نافذة المنزل. كما تأمل أهالي الحي في فترح مستشفى حكومي لخدمة أهالي الحي حيث أنه يشهد كثافة سكانية عالية وفي زيادة سنوية.
قطاعات ومرافق خدمية
من أبرز المنشآت الحكومية الذي يحتضنها حي الروابي هو مركز الدفاع المدني والذي أنشئ منذ أكثر من عقدين من الزمان، كما يتوفر به مركز صحي وفرع لبلدية حي الجامعة الفرعية وأربعة مساجد كبيرة ومندوبية للحي وفرع لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومستوصفان أهليان، كما يوجد به السوق الشعبي المشهور (سوق الأمير متعب)، وفرعان لبنكين تجاريين، بالإضافة إلى عدد كبير من الورش الصناعية ومحالات متخصصة لمواد البناء والأدوات الصحية و6 محطات للوقود والعناية بالسيارات.
عمدة الحي.. وتنظيم جديد
وفي نهاية الجولة توجهنا إلى عمدة حي الروابي الأستاذ عبدالعزيز الزهراني الذي أفاد أن حي الروابي يحظى باهتمام من قبل المسئولين من مختلف القطاعات كما أن هناك تخطيطاً قائماً لتصحيح وتنظيم المناطق العشوائية وتم مشاركة القطاع الخاص في هذه العملية وذلك بهدف تنظيم المناطق العشوائية في الحي، كما أن الحي بفضل الله يتوفر به كل الخدمات ولكن ينقصه زيادة في الإنارة والتي تساعد في السيطرة على النواحي الأمنية بالإضافة إلى سفلتة بعض الشوارع، كما أن آليات الدفاع المدني تكون غير قادرة على الدخول في بعض الأماكن نظراً لضيقها ولكن -إن شاء الله- مع المخطط الجديد لتنظيم الحي والذي إن تم على أرض الواقع سوف يجعل حي الروابي 1 و2 من الأحياء النموذجية المتميزة.
المرور ونجاحات كبيرة بالحي
وحول موضوع التفحيط علق العقيد محمد حسن القحطاني مدير إدارة مرور جدة حيث قال إن لإدارة المرور نحاجات كبيرة هذا العام في الحد من ظاهرة التفحيط كما أن المرور السري ضيق الخناق بشكل كبير على المفحطين لافتاً إلى أنه يوجد في مدينة جدة بين فترة وأخرى موقوفون بهذا الشأن، وأضاف إلى أنه يوجد هناك تنسيق ومتابعة مع مكاتب تأجير السيارات بخصوص الإبلاغ عن أي سيارة تكون حالتها عند التسليم غير جيدة ولكن ذلك يتم في حدود ضيقة، وبين أن حي الروابي رغم معاناته من ظاهرة التفحيط إلا أنها لا تعد منظمة بل عشوائية يمكن السيطرة عليها بتضافر جهود المرور والمواطنين وقد تم وضع مطبات صناعية بالإضافة إلى انتشار دوريات المرور السري مناطق متفرقة من الحي.
الأمانة وخدمات الحي
يحتضن الحي مقر بلدية الجامعة الفرعية والتي بدورها تقوم بين فترة وأخرى بحملاتها لتنظيف الأحياء الواقعة في نطاق الفرع ومنها حي الروابي، وأوضح رئيس بلدية الجامعة الفرعية صبري إسماعيل أنه قد تم خلال الشهر الماضي رش 96 حاوية للنفايات وحوشين مغلقين و9 مبان تحت الإنشاء، بالإضافة إلى مكافحة 196 موقعاً للقوارض داخل جحور حية، ومعالجة 6 مواقع وتم رفع وترحيل الدمارات منها، و16 نقطة تجمع للصرف للصحي. كما تم خلال الحملة إزالة 12 مبنى مخالفاً ومواقع مستغلة بالشوارع.
كما تمت مصادرة فرق مراقبة الباعة الجائلين التابعة للبلدية ما يزيد على 42 حمولة (وانيت) من الخضروات والفاكهة تم تسليمها للجمعيات الخيرية عقب التأكد من صلاحيتها للاستهلاك الآدمي، للاستفادة منها في أنشطتها الإنسانية المتنوعة، كما تم إتلاف 28 عربة خشبية للباعة الجائلين وأغلبهم من العمالة المخالفة، وأن فرق المراقبة التابعة للبلدية تقوم بالعديد من الجولات الميدانية على مواقع تجمعات الباعة المتجولين أمام المدارس وفي الشوارع الرئيسية بجميع الأحياء الواقعة في نطاق البلدية، مشيراً إلى أن أغلب من يتم مطاردتهم هم من المخالفين لنظام الإقامة، حيث يتم تسليم المقبوض عليهم للجهات المعنية لاتخاذ اللازم حيالهم.
كما أكد أن جولاتهم الميدانية متواصلة على مدار 24 ساعة يومياً، مشدداً على عدم التهاون في مصادرة البضائع المخالفة التي يعرضها الباعة الجائلون، وإتلاف العربات الخشبية الخاصة بهم، مع حجز السيارات بمقر البلدية وإعدام المواد الغذائية غير الصالحة للاستهلاك الآدمي ولا تهاون في كل ما يحقق مصلحة مواطني حي الروابي والارتقاء بالخدمات التي تقدمها الأمانة بمدينة جدة ممثلة بفرع بلدية الجامعة.