إلى اللقاء في أكمل لقاء، وأشرف حضور، وأسمى حشر، وأجمل تقابل ذلكم الاجتماع الذي لا تنتهي ساعاته، ولا تنقضي أيامه ولا تنصرم أعوامه، مهما طالت وامتدت وتعاقبت وتوالت، إنه الخلود على سرر متقابلين..
أما لقاء ينتهي، واجتماع ينقضي، وتقابل يخلفه تدابر، فلا خير في اجتماع بعده افتراق ولقاء يعقبه وداع، حياة بلا خلود حياة لا خير فيها: { وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} (64) سورة العنكبوت، فلذلك اجتمعنا مرات وكرات، كانت لقاءات بل جلسات.
كان خبر وفاته بالنسبة لي، نبأً عظيماً، ومصاباً جللاً، لم أصدق من أول رسالة وصلتني وكنت أقول: لعله شخص آخر يدعى عبدالعزيز الوهيبي، والتبس الأمر على المرسل وأحاول إقناع نفسي بذلك، كما تلقيت خبر وفاة زميلي الفاضل عبدالعزيز الأحمد، أحد زملائنا في إدارة الأوقاف فخففت إحداهما الأخرى.
الشيخ عبدالعزيز الوهيبي رأيته أول مرة في حج عام 1418هـ صافحته، فهش وبش وقال: من الشيخ؟ فقلت: فهد التويجري، فدعاني إلى غرفته في سكن الدعاة بحي العزيزية بمكة، كان في الدور الرابع، وكنت أنا في الدور الخامس، ثم تبادلنا الحديث، فقويت علاقتنا، واشتدت أواصرنا مع مرور الأيام والليالي، رأيت فيه قوة الشخصية، ومتانة الرأي، وسرعة القرار، والغيرة على الدين، وعفة اللسان، وصدق القول والصدع بالحق وطاعة الأمراء في غير معصية الله، شاء الله أن نلتقي غرة شعبان 1421هـ في إسبانيا حيث جمعنا الله على غير موعد في مدريد، وكنت مع أخي الداعية تركي العقيل - والذي كان صديقاً حميماً لفقيدنا - سافرنا نحن الثلاثة تقلنا سيارة إلى قرطبة فغرناطة ورأينا قصر الحمراء، وقرأنا على جدرانه (لا غالب إلا الله) (العزة لله) فتأثر فقيدنا على أمتنا التي فقدت قوتها، وهيبتها وذهب ملكها.
رأيت منه في أوروبا، غض البصر، وكلمة الحق، والمحافظة على شعائر الدين، والدعوة إلى الله بلا ملل، وعدم الضعف أمام الفتن، والشفقة على الغرب، والاعتزاز بالإسلام، كما رأيت منه الاستقلال والتحرر، وكرم الضيافة، لم يسمح لي ولا لأحد معنا أن ندفع ريالاً واحداً حتى رجعنا إلى المملكة، كنا نجتمع سنوياً في ذي القعدة مع سماحة المفتي في منزله من أجل محاضرات جامع الإمام تركي بن عبدالله بالرياض، وفي موسم حج 1422هـ اجتمعنا في المركز الرئيس بمنى في خيمة واحدة فكان مضجعي بجوار مضجعه، ومرقدي عند مرقده، نتحدث حتى يأخذنا النوم ليالي أيام التشريق الرائعة، ومن حديثنا ذات ليلة أني قلت له: خفف من اتصالاتك عبر الجوال، وكان معه عدة جوالات، فقال: يا شيخ فهد نفع الناس متعين علينا، وكانت جوالاته لا تهدأ من الرنين، فهذا يريد فتوى، وثان يطلب شفاعة، وثالث عنده رؤيا وهكذا.. كنا نلتقي سنوياً في موسم الحج بمكة حتى كان آخرها 1429هـ، واشتركنا مراراً في ندوات مسجد الخيف بمنى، كانت أياماً مباركة على صعيد مبارك محرم، وكذا كنا في عرفات وقل ذلك في المزدلفة، كانت اتصالاته علي كثيرة، من أجل أمور تهم الدعوة والدعاة.
الشيخ عبدالعزيز الوهيبي كان صاحب شفاعات كثيرة، يراجع ويتصل، يذهب ويسافر يطلب ويطالب، يلح ويكرر من أجل مريض أو ضعيف، أو فلان وهو لا يعرفه، أو فلانة وهو لا يعرفها، لا يريد من الناس جزاء ولا شكورا.
كان يلح عليّ مراراً وتكراراً أن ألي منصباً أوسع مما أنا فيه، لا لشخصي، ولكنه يحسن الظن بي، ويقول: ليكن النفع أعم وأشمل.. إلخ، وكانت آخر مكالمة له معي في هذا الشأن قبل وفاته بخمسة أيام.
اتصلت من مكتبي على فضيلة الشيخ عبدالله بن مفلح آل حامد (مدير عام فرع الشؤون الإسلامية بالرياض) أعزيه بفقيدنا، (لأن الفقيد يداوم في فرع الرياض شأنه شأن الدعاة) فقال لي الشيخ عبدالله آل حامد: صلى معنا الشيخ عبدالعزيز الوهيبي ظهر يوم الثلاثاء الذي توفي فيه في مسجد الفرع، ولم يكن من عادتي الالتفات عقب الصلاة، إلا ما كان من تلك الصلاة، حيث التفت فوقع بصري على الفقيد - يرحمه الله - فكأنها نظرة مودع. انتهى كلام فضيلته - يحفظه الله -، كانت وفاته ليلة الأربعاء 2-6-1430هـ.
أبو محمد من بلدة القرائن جنوب شقراء (3 كلم) من قبيلة تميم - الوهبة (المشارفة) كان - رحمه الله - أزج أقرن، عظيم الكراديس، شديد السواعد، عظيم المشاش، ربعة هو إلى القصر أقرب، ليس بالأبيض ولا الأسمر، هذه بعض صفاته كأنك تراه، ولئن ودعت صورته فلن أودع أفعاله وأقواله، لن أقول وداعاً يا أبا محمد، ولكن إلى اللقاء في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر.
الله أسأل أن يغفر له بكل كلمة ألقاها، أو موعظة أسداها، أو محاضرة أعدها، أو خير فعله أو شر كبته، أو صدقة بذلها، أو معروف صنعه، أو شفاعة رفعها، والسلام عليه يوم مات شهيدا، وغفر الله لزوجته وبناته، وبقية ذريته، وإلى اللقاء مع محمد وحزبه، وعزائي لمن بقي من ذريته وزوجاته ووالديه ..{وَاللّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ(156) سورة آل عمران.
وإلى اللقاء
*fh3300@hotmail.com