اللهم ارحم الخالة منيرة الدبيان رحمة واسعة سعة المساحات التي يوجد فيها العشرات والعشرات ممن أحبوها في جميع مناطق بلادنا بل وامتدت حتى طالت بعض الدول العربية مثل مصر والسودان واليمن وسوريا وفلسطين.
لقد كانت الخالة منيرة النبع الذي لا ينضب، وضربت لمن حولها أروع الأمثلة في الحب والوفاء ودوام الإخلاص لمن أحبوها ابتداء من الأب الشيخ الجليل (محمد العبدالله الدبيان) الذي كان إماماً لأحد مساجد عنيزة لأعوام طويلة زادت عن الأربعين عاماً والأم (حصة العبدالعزيز العجروش) التي عرفت بصلاحها وكرمها وبمواقفها النادرة وتفانيها في رعاية أسرتها. وامتد هذا الإخلاص للزوج الحبيب (عبدالرحمن العجروش) الذي قضت معه أكثر من خمسين عاماً ضرب فيها كل منهما أروع الأمثلة بالمحبة والعطاء.
منذ عرفت الخالة منيرة وأنا أرى فيها سمات منفردة، فبرغم أنها حرمت من نعمة الإنجاب فقد وهبها أكرم الأكرمين نعمة العاطفة الجياشة التي لا يعادلها سوى عاطفة الأمومة، ولذلك كان جميع أفراد الأسرة ينادونها (ماما) ليس فقط أفراد الأسرة وإنما جميع الأقارب والأصهار والجيران والأصدقاء، أما إخوة زوجها فقد كانت لهم الأخت الكبيرة ولذلك كانوا ينادونها (أختي منيرة) ما عدا الدكتور عثمان فقد كان يناديها (ستهُم) أي ست الكل وكانت تناديه بالمثل (سيدهُم) أي سيد الكل. ولكم أن تتصوروا هذا الكم الهائل من الحب والمودة الممزوج بجميع معاني التقدير والألفة، ومن الطبيعي أن تتواصل هذه المحبة إلى أبناء أسرة العجروش وبالتالي إلى أحفادهم الذين كنت أرقبهم عند دخولهم استراحة الأسرة وببراءة الطفولة يسارعون النظر إلى الجهة التي اعتادت أن تجلس فيها (مما ننه) وبجوارها رفيقة عمرها (أم خالد العجروش) ويسارعون بالسلام عليها لأنهم يعرفون أنها تحمل لهم الحب الكثير في قلبها الكبير وكل ما لذ وطاب من الحلوى في حقيبتها الكبيرة، هذا بالنسبة لاجتماعنا الأسبوعي أما عند عودتها من رحلتها السنوية إلى الطائف فقد كانت تحمل لهم ما يفرحهم من الألعاب لكل واحد منهم.
كانت الخالة منيرة تردد هذه العبارة الجميلة (كل الحريم لهم عزوة واحدة لكن أنا لي عزوتين الله لا يخلين من أهلي الدبيان والعجروش)، وكانت في كل مناسبة تنظم القصائد التي تعبر فيها عن مشاعرها الجياشة نحو أفراد الأسرتين خصوصاً بعد وفاة الزوج الحبيب الذي لم تفتأ عن ذكره والدعاء له حتى وفاتها ولم تكتف بذكره بل واستمرت بالقيام بالكثير الكثير من الأعمال التي كان يقوم بها -رحمه الله- في حياته مثل تفطير الصائم في المسجد القريب من منزله وعشاء الوالدين وصلة أقاربه وأحبابه حتى في حبه الكبير لنادي الهلال. ومن أحد مواقف الحب الكثيرة التي امتلكتها فقيدتنا الغالية أنه في أحد اجتماعاتنا الأسبوعية عندما سأل والد حفيدتي (بسمة) ماذا إذا كانت قد استمتعت بهذا اليوم؟ أجابت ببراءة الطفولة (المنتزه اليوم وعّ عشان ما فيه مما ننه).
الخالة منيرة كانت تشعر بمتعة كبيرة في مساعدة الآخرين سواء من تعرفهم ومن لا تعرفهم، ومن أحد عشرات المواقف التي شهدتها عنها أنها قابلت بالصدفة سيدة تعمل بالطب الشعبي والأعشاب أخبرتها أن لديها وصفة لعلاج العقم لدى السيدات وما كان من الخالة منيرة إلا أن رجتها أن تعطيها هذه الوصفة وقامت بخلطها وتوزيعها لكل من يحتاجها وذلك لوجه الله سبحانه وتعالى، وقد رأيت بعيني مدى السعادة والفرحة التي تعتريها عندما تتلقى خبراً أن واحدة من تلك السيدات قد أنعم الله عليها بالحمل ومنهن سيدة من سوريا قامت بالاتصال بها لشكرها على هذا العلاج وبالطبع ردت عليها ودموعها تترقرق على خديها أن الشكر لله وحده، هذه الدموع التي كنا دائماً نراها في كثير من المواقف الإنسانية خصوصاً عند مشاهدتها لآثار الحروب والكوارث في النشرات الإخبارية.
ومن الأشياء النادرة في حياة الخالة منيرة أن تدخل منزلها ولا تجد لديها أحداً من أقاربها أو جيرانها فقد تمسكت بالتواصل مع جيرانها ليس فقط في منزلها الأخير ولكن حتى المساكن السابقة التي سكنتها عند انتقالها إلى الرياض أما جيرانها في مكة المكرمة فقد كانت دائمة التواصل معهم.
لقد تراءت لي جميع هذه الصور في ليلة وفاتها -رحمة الله عليها- عندما كنت أجيب على الاتصالات العديدة التي انهالت على هاتفها النقال من أحبابها الذين يريدون الاطمئنان على صحتها بعد دخولها المستشفى وآخرين ممن عرفوا خبر انتقالها إلى رحمة رب العالمين وجميعهم تلهج ألسنتهم بالدعاء لها، يختلفون باللهجات ولكن يتفقون بصدق المشاعر وبساطة العبارات الجميلة وروعة الأحاسيس الفياضة مما يدل على ما كانت تتمتع به من نبل الصفات والأفعال. إنني أبتهل إلى الله الغفور الرحيم أن يغفر لها ويرحمها ويجعل ما قدمت في دنياها في موازين أعمالها وأن يعين الله جميع من أحبوها على الدعاء لها إنه على كل شيء قدير وبالإجابة جدير.
* والدة راكان العجروش