الآن وأنا على فراش المرض أحس بمرارة طعم الألم، في معدتي ما يثير الاشمئزاز، ويبطل حاسة التذوق فتستوي الأطعمة في خلوها من أي نكهة وأي لذة.. فالألم يغلق مجرى الطعام فلا تشتهي النفس طعاماً أو شراباً حتى ما كان قبل ذلك مفضلاً بل إن للماء طعماً مراً.
أما لهذا الألم من زوال؟
أما له من شيء يخففه أو يبطل مفعوله؟
ما لي أراه كالسم ينتشر بسرعة في كل مكان؟
لكأني أحس الألم في كل ناحية من جسمي، أشعر أن عظامي تصرخ من الألم، إني أشعر بها الآن كما لم أحس بها من قبل أبداً.
الآلام تحيط بكل سن وكل ضرس في فمي، قد أقعد قوتي وأبطأ حركتي، وهوى بي بعيداً فلا حول ولا قوة لي.. تفكيري قد شل وانحصر في طريقة تخلصني منه وتذهب به بعيداً.
أتذكر تلك الأيام التي كنت فيها أتحرك وأمشي وأعمل كل ما أريد وما لا أريد.. لم يكن لدي وقت للنوم أكثر من ثلاث ساعات يومياً وأحياناً تكون تلك الساعات غير متصلة.
منذ الصباح الباكر يبدأ يومي واستعداد أولادي للذهاب لمدارسهم ثم أذهب لعملي، وأعود بعد أذان الظهر للصلاة وعمل الغداء والعناية بطفلتي الرضيعة.
بعد الغداء تبدأ مهمة تدريس الأولاد والاهتمام بهم قبل العودة مجدداً لعملي في الفترة المسائية.. عند التاسعة مساء أعود لأبدأ بتجهيز العشاء ومتابعة دراسة الأولاد وطلباتهم.
بعد نومهم لدي كثير من الأعمال المنزلية المتراكمة من الغسيل وترتيب الملابس وكيها والعناية بطفلتي الصغيرة وتجهيز حاجياتها للغد.
مع هذا الروتين اليومي لم أكن أنسى عمل الحلويات والكيك والهريسة التي يحبها أطفالي وتكون جاهزة لتقديمها للضيوف الذين لا يفرقون بين أيام الدراسة وأيام العطلة.
كانوا يستغربون من أين لي الوقت لإنجاز هذه الأعمال، بينما مَنْ هي أقل مني مسؤولية تعتمد على الشغالة في إنهاء عملها.
كنت أحتمل آلامي وأعاند نفسي وأقوم بكل أعمالي ومسؤولياتي داخل البيت وخارجه، كنت أعتمد على عكازة للمشي في بداية مرضي، والتي لم تعد تفيدني الآن فأنا لا أستطيع الالتفات من جهة لأخرى، أحتاج لمن يمسك بيدي للقيام والجلوس، ما يؤلمني هو ابنتي الرضيعة التي يحضرونها إلي كي أرضعها ثم يأخذونها مني.
لا أستطيع مداعبتها وحملها كأي أم، فإلى الله المشتكى ولا قوة إلا بالله، أحمد الله أني ما زلت على قيد الحياة أستطيع رؤيتها وسماع صوتها والدعاء لها ولإخوتها وإن كنت لا أملك غير ذلك.