الكتاب: My hope for peace
المؤلفة: Jehan Sadat
الناشر: Simon AND Schuster
عندما اغتيل الرئيس المصري السابق محمد أنور السادات كانت جيهان السادات زوجته منذ 32 عاما، وسيدة مصر الأولى لأكثر من عشر سنوات. ولم تكن جيهان زوجة عادية تهوى قضاء معظم أوقاتها بالمنزل، بل كانت متحدثة لبقة ونشطة من الناحية السياسية. وفي هذا الكتاب الذي تصدره بمناسبة الذكرى الثلاثين لمعاهدة السلام بين مصر وإسرائيل تطرح المؤلفة رؤيتها في حل أزمة الشرق الأوسط، وتقدم فيه موضوعاتها بطريقة تثير النقاش الإيجابي. والمؤلفة ليست شخصية عادية كما أسلفنا، بل هي شخصية زارت كل أنحاء العالم لأسباب عديدة، كما أنها زوجة الرئيس الحاصل على جائزة نوبل للسلام، ما يجعلها قادرة على طرح رؤية ثاقبة لتحقيق السلام في الشرق الأوسط.
ففي عام 1979م عقدت معاهدة السلام بواسطة جيمي كارتر بين الرئيس الإسرائيلي مناحيم بيجن والرئيس المصري محمد أنور السادات، ونتج عنها توقيع اتفاقية تاريخية للسلام بين مصر وإسرائيل، وكانت تلك أول اتفاقية يضع فيها قطر عربي اعترافا بإسرائيل في صورة اتفاقية معبرة عن السلام ظلت بنودها معمولة بها حتى يومنا هذا. وعاصرت المؤلفة كل خطوات المعاهدة، ولذلك فهي تقدم لنا هذا الكتاب في صورة مناظرة عن السلام من واقع ما شهدته وليس من فراغ.
ويجيب الكتاب عن ثلاثة تحديات، أولها التحدي الذي واجه محمد أنور السادات نفسه من ناحية إيمانه بالسلام، وثانيها التحديات التي واجهت الدور المهم الذي يمكن أن تؤديه المرأة بإزاء هذا الاعتقاد، وثالثها وأهمها التحديات التي تواجه فكرة كون تحقيق السلام في الشرق الأوسط هو حلم بعيد المنال. فهي لم تستعرض في كتابها هذا القضايا الجوهرية التي أدت إلى حدوث الانقسام بمنطقة الشرق الأوسط فحسب، بل قدمت مجموعة من الخطوات العملية المجربة التي من شأنها أن تؤدي إلى حل للنزاع القائم بالمنطقة.
وتقدم لنا جيهان السادات نظرتها للسلام الذي شهده العالم منذ فترة لا تقل عن خمسين عاما من واقع خبرة شخصية اكتسبتها عندما كانت سيدة مصر الأولي، ومن التزامها بالسلام بعد أن أصبحت أرملة، لكي توضح للقارئ بصراحة ووضوح الدعائم التاريخية والسياسية والدينية لعملية السلام التي لا يزال الغرب في حاجة لفهمها بطريقة أفضل وأكثر عمقا. وفي إطار ذلك تحدد جيهان السادات مصادر ما يطلق عليه الإرهاب الإسلامي الحديث، وهو الإرهاب الذي تعرضت له على المستويين السياسي والشخصي، وتزيل الغبار عن كل ما يمكن أن يتسبب في الفهم الخاطئ لعقيدتها، وتؤكد بطلان العديد من المفاهيم الخاطئة التي تتناول وضع المرأة في الإسلام، وتطرح رؤية سياسية واضحة وفطنة كان لها أكبر الأثر في النظر إليها بعين الإعجاب على مستوى العالم.
وتضع المؤلفة في كتابها هذا الأسس التي يمكن أن ينبني عليها فهم أفضل بين الشرق والغرب، وخاصة ما يتعلق منه بتعاليم الإسلام، التي يفهمها البعض فهما منحرفا خارجا عن الحدود السليمة، كما توضح كيفية تحقيق عملية السلام في الشرق الأوسط، التي تمر بحالة أشبه ما تكون فيها بالأزمة في هذه الأيام. وتعتبر السيدة جيهان السادات من المناصرين لقضايا المرأة والمدافعين عن حقوقها، حيث أسست العديد من البرامج من أجل النهوض بالمرأة أثناء فترة حكم الرئيس محمد أنور السادات في الفترة بين عامي 1970 و1981م. وقد حصلت على الدراسات العليا في الأربعينات من عمرها، وتركت صورة جيدة لدورها كمسلمة وكسيدة مصر الأولى أثناء صحبتها لزوجها في جولاته حول العالم.
ويتكون الكتاب من ثمان مقالات متميزة صورت فيها المؤلفة بدقة مبادئ زوجها فيما يتعلق بعملية السلام في الشرق الأوسط، وهي المبادئ التي وضعها قيد التنفيذ حين وقع على معاهدة كامب ديفيد مع الرئيس الأمريكي كارتر ورئيس الوزراء الأسترالي مناحيم بيجن في عام 1978م. وتصدت المؤلفة في هذه المقالات لكل المفاهيم الخاطئة عن الإسلام، وخاصة تلك التي تصف المسلمين بالإرهابيين، كما تصدت للمفاهيم المعادية للديمقراطية ومفاهيم استعباد المرأة واضطهادها، وصورت باختصار العقبات التي تعترض طريق السلام، وخاصة عناد إسرائيل والعنف القائم بين الشرق والغرب، كما أشارت إلى قبح كل من الاغتيال والإرهاب.
ففي مقالها بعنوان (كيف تكون المرأة المسلمة) نجدها ترفض ادعاء الغرب بأن المرأة المسلمة في حاجة دائمة إلى التحرر من قيود الإسلام، وتقدم نماذج للعديد من المصريين ذوي الأفكار المناصرة لحرية المرأة، كما تقدم إنجازاتها في هذا المجال دليلا على ذلك. ولذا نجدها تطرح أفكارا متحمسة نحو التقدم في عملية السلام والعدالة الاجتماعية، وتدمج تحليلها لمفاوضات السلام بوجهة نظرها كمسلمة وامرأة ناجحة من الناحية العملية.
وتشير المؤلفة إلى إن كارتر كان يركز على قضايا السلام من وجهة نظره، واضعا نصب عينيه المفاوضات الناجحة بين مصر وإسرائيل في عام 1979م والسنوات التالية من انخراطه في قضايا الشرق الأوسط، كما أنه كان يؤمن بأن حل قضايا أمن إسرائيل وسيادة فلسطين وحماية اللاجئين ووضع القدس يمكن أن يبنى على مبادئ موضوعة سلفا. كذلك تشير المؤلفة إلى أن كارتر كان يعتقد بأن وجود المستعمرات الإسرائيلية، واحتلال إسرائيل للضفة الغربية، وضعف وتشتت القيادة الفلسطينية، مثلت عقبات في طريق السلام. وحسبما تقول المؤلفة، كان كارتر قد وصل إلى قدر من التفهم لاحتمال تحقيق وجود دولتين آمنتين على الأراضي المقدسة، كما أنه كان يحذر من الآثار المدمرة للأقليات المتناحرة في كلا الجانبين، ويؤكد على الحاجة إلى دور الولايات المتحدة القوي والمستمر في المحافظة على سير عملية المفاوضات في طريقها السليم.
وعلى العكس من ذلك تركز المؤلفة على تفاقم النزاع الإسرائيلي الفلسطيني باستعراض سيرة حياة زوجها، كما توضح فهمها للإسلام باعتباره دينا يوصي بالرحمة والمرونة والديمقراطية ويعترف بالدور الفاعل الذي يمكن أن تؤديه المرأة في الإسلام. وتحاول المؤلفة الإيحاء بأن كلا من الفلسطينيين والإسرائيليين في حاجة للسلام، ولذا فإن قيمة هذا الكتاب يكمن في كونه إضافة هامة لوجهات النظر التي تتناول هذا الصراع الذي ينطوي على مخاطر كبيرة تقف عقبة في طريق تحقيق السلام بالشرق الأوسط. ويمثل الكتاب نداء إنسانيا لتحقيق السلام في الشرق الأوسط، حيث تقول المؤلفة إن أولئك الإرهابيين الذين اغتالوا زوجها الرئيس محمد أنور السادات اعتقادا منهم بأنهم يمثلون روح الإسلام، وأن معاهدة السلام التي عقدها مع إسرائيل سوف تموت بموته، لم يفهموا أن تحقيق السلام مسألة معقدة ويتطلب قدرا كبيرا من الفهم. ولذلك نجدها تركز كل جهدها لتوضيح المفاهيم التي تعبر عن روح الإسلام، وترفض جميع أشكال الإرهاب والتعصب. ولا شك أن هذا يشكل إحدى نقاط القوة بهذا الكتاب، وخاصة عندما نضع في اعتبارنا أن الكتاب نشر بالولايات المتحدة، حيث تنحصر فكرة الأمريكيين عن الإسلام على ما تعرضه القنوات التلفزيونية من مظاهر للإرهاب تسيء للمفهوم الصحيح الذي يجب أن يفهمه الغرب عن الإسلام.