Al Jazirah NewsPaper Sunday  12/07/2009 G Issue 13436
الأحد 19 رجب 1430   العدد  13436
دعوة لاستعادة الشعور بالأمن في أمريكا

 

الكتاب:

The Age of the Unthinkable

المؤلف: Joshua C. Ramo

الناشر: Litter، Brown and Co.

يدور موضوع هذا الكتاب كما يناقشه مؤلفه جوشوا رامو، الذي يعمل صحفيا، حول كيفية إعادة الشعور بالأمان إلى الولايات المتحدة، حيث يتطلب ذلك التفكير بشكل جذري في كيفية تنمية الإحساس بالأمان. فالحرب على الإرهاب يولد المزيد من الإرهابيين، وطريق السلام في الشرق الأوسط محفوف بالمعارضة، وإيجاد الحلول الجذرية للأزمة الاقتصادية يعجل بالركود الاقتصادي. تلك هي التناقضات المؤسفة التي يتسم بها عالمنا الحديث، والمشكلة الأكبر تكمن في أن الساسة الكبار لا يرون العالم على حقيقته كما يقول مؤلف الكتاب.

وينطوي الكتاب على وجهة نظر متعقلة يمكن أن يتعلم منها القارئ الكثير، إذ ليس من المعقول، حسبما يقول مؤلف الكتاب أن نشغل مفاعلا نوويا اعتمادا على نظرية نيوتن فحسب، كما أنه ليس من المعقول أيضا أن ندير الشؤون الخارجية حسب رؤية نابليون للعالم. ولأن المؤلف صحفي نجده دقيق الملاحظة وسديد الرأي بشأن وضع صورة واضحة معبرة لكل ما يهدد الأمن.

ويقدم المؤلف حججه فيما نواجهه من مخاطر في عصرنا بأسلوب يقرب فكرته التي يود طرحها للقارئ، فهو يدعو القارئ مثلا للتأمل في واقعة إرهابية معينة وقعت بالفعل، مثل تدمير مركز التجارة العالمية، مشيرا إلى أن هزيمة أكبر قوة عسكرية في العالم تمت بمخطط إرهابي زهيد التكلفة إذا ما قورن بحجم الدمار الذي سببه، في حين أن الولايات المتحدة تنفق مئات الملايين من الدولارات في حروب لا تضمن نتائجها ولا يعلم أحد متى وكيف تكون الهجمة التالية على الجيش، ما يجعل المهمة تقود إلى اليأس لأننا لن نتمكن من التصدي لكل هجمة تحدث. ورغم ذلك فإن المؤلف يرى أننا نستطيع دعم قدرتنا على امتصاص مثل تلك الآثار الضارة، مشيرا إلى أن الإقدام على ذلك يحفزنا على استثمار جهودنا في تقديم تعليم أفضل وإنشاء وسائل نقل أفضل وبنية خارجية أفضل وعمل تغطية صحية قومية أفضل.

وقد يرى القارئ أن الدعاوى التي يطالب تحقيقها المؤلف قد تكون من الأمور التي قتلت بحثا، غير أنه يقول إنه يحاول توجيه الأنظار نحو البدائل التي تعمل ببطء وهدؤ عوضا عن تلك التي تعمل بسرعة واندفاع، وأهمية النظر إلى خلفيات الأحداث وليس إلى ما نريده أن يحدث، كما ينبغي الانتباه إلى الأمور البسيطة ذات القوة المدمرة لما حولها.

ولكي يتسنى لنا إنقاذ أنفسنا في عالمنا المليء بالأحداث الغير متوقعة يرى المؤلف أن أنظارنا يجب أن توجه نحو تحقيق (الأمن الأصيل) ذي الجذور العميقة، الذي يستلزم تحقيقه نوعا من إعادة التوجيه الجذري لمستوي شعورنا بالأمن وجعل ذلك سمة أصيلة نتسم بها وليست سمة عارضة اكتسبناها من موقف عارض. ويستلزم تحقيق ذلك في نظر المؤلف تنمية مثل هذا الشعور في نفس كل فرد في موقعه، أثناء تأديته لواجبه، والتعاون وتنسيق الجهود من أجل تحقيق هدف واحد، دون يبقى هناك شخص يقال عنه إنه لا يستطيع مجاراة الشعور العام، بل يجب أن يؤدي كل فرد دورا في تحقيق الأمن والسلام بحيث تكون المحصلة العامة هو السلام الحقيقي.

ويضرب المؤلف مثلا بسيطا لذلك بالجهاز المناعي في جسم الإنسان، مشيرا إلى أن تعرض شخص ما لنزلة برد مثلا لن يقتله، بل سيكسبه مناعة ضد المرض ويجعله أقوى، فهل يمكننا قياسا على ذلك أن نقول إن التعرض للكثير من الفيروسات ذات التأثير المعتدل أمر جيد لا بأس منه؟ ولتطبيق هذا المثل على السياسة يقول المؤلف إنه، مثل كل أب، لا يجرؤ على تعريض أبنائه متعمدا للفيروسات من أجل اكتساب المناعة، كما أنه لا يوجد سياسي عاقل يوصي بضرورة الضغط على مواقع الدفاع من أجل تقويتها. كذلك يذكرنا المؤلف بالخسائر التي يمكن أن نتكبدها في كل مرة نحاول فيه صد أي من المهددات. فمحاولة إطفاء كل شرارة مثلا يمكن أن يؤدي إلى اندلاع حرائق ضخمة، وبالمثل يمكن أن يؤدي استنزاف الاقتصاد من أجل معالجة كل حالة بسيطة من حالات التدهور الاقتصادي إلى إعاقة قدرتنا على التعامل مع المشكلات الكبيرة.

ولا يعني ذلك أن المؤلف ينادي بالسلبية تجاه مواجهة الخطر، ولكن الانبهار بالمهددات الكبرى للسلام يمكن أن يعطل قدرتنا على النظر للأحداث نظرة كلية، وأن نفكر تفكيرا متأنيا، ونعدل سلوكياتنا كلما تطلب الأمر ذلك، ونتعلم أن نري من حولنا علامات التغير ونكتسبها، وأن نعلم أن بعض الأشياء الصغيرة قد يكون لها آثار ضخمة، وألا نخاف حدوث الفوضى من حولنا، بل نعمل في غمارها ونحافظ على علاقاتنا مع غيرنا ونستفيد من توحيد الجهود، وألا نسعى إلى مهاجمة أعدائنا واستهداف هزيمتهم، بل يجب استغلالهم لصالحنا، وأن يكون لدينا هدف عام كبير نعمل من أجله.

وهكذا يتضح أن المؤلف يركز على التوصيات التي لها جذور متأصلة في فكر آسيا الشرقية وممارساتها، كما يتضح من نهج الصين في تعاملاتها. ولذلك نجده يستحسن حكمة الصين ويلقي باللائمة على تهور الولايات المتحدة، ويطالب حكومته بشيء من البساطة في مواجهة الشؤون الخارجية، مما يكون له أثره في التطوير الذاتي، ثم ينصرف إلى وصف بعض أحداث الشؤون الخارجية التي تستحق التفكير والتأمل، وخاصة ما جرى منها في عهد بوش، مشيرا إلى أن بعض هذه الأحداث تجاوزت كل المعايير المقبولة، وليس هناك ما يبررها.

وقد يكون هناك نوع من التناقض فيما يدعو إليه المؤلف من شعارات، ويتضح ذلك في تناوله لقضية مكافحة الأمراض في جنوب إفريقيا حين يستنتج المؤلف أن النجاح في ذلك يقوم على تنحية البيروقراطية وتشجيع كل فرد على المحافظة على صحته، بينما ينادي في مواطن أخرى من كتابه بضرورة الاهتمام بالصحة العامة على المستوى القومي بالولايات المتحدة.

وفي نهاية المطاف نلاحظ أن مفهوم المؤلف للإستراتيجية الكبرى يجب أن تتحرر من الأيديولوجية، وذلك لأن التمسك بالأيديولوجية ليس مستحبا في هذا العصر إلا أن العديد من أعداء الولايات المتحدة يبدون مدفوعون بها وبعضهم يفكرون تفكيرا منبثقا من منطلق القرون وليس السنوات، لذا يتساءل المؤلف: أليس من الحكمة أن نعمل على التوفيق بين تلك المبادئ المعقولة النافعة؟ فقوة حجة المؤلف هنا تكمن في قوة الاستبصار بالأمور، فالكتاب بذلك يمثل دراسة جذابة للطريقة التي يسير بها عالمنا.






 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد