لقاء- ماجدة السويِّح :
ربما ما زالت مشاهد التنويم المغناطيسي مستقرة في ذاكرة القارئ الذي شاهدها على شاشات التلفاز من خلال المسلسلات والأفلام التي رسخت في عقولنا فكرة سيطرة المعالج على المريض وقدرته على توجيه المريض وإخضاعه لإرادته، لكن كل ذلك لا يمكن أن يكون سوى اتفاق بين المعالج والمريض ليمثل هذا الدور، أو سحر لسحر أنظار المتابعين.
فقد أنكر د. عبد العزيز الشهراني قدرة المنوم على السيطرة على المريض مهما وصل المعالج بعلمه وخبرته، وفي نفس الوقت نفى أن يكون التنويم الإيحائي هو ضرب من ضروب السحر والشعوذة، وعلل بأن ما يشاع حول ذلك العلم يعود لتوجه البعض لأهل النقد ومن لديهم نمط الإعاقة المعرفية الذين يرفضون أن تتطور عقولنا معرفياً بحجة أن ما يطرحه الآخر لا يجوز. وأكد في حديثه ل(الجزيرة) على حاجة المجتمع المسلم إلى الفهم الحقيقي لكل علم وافد ينطوي على فوائد حقيقية لنا لنستطيع تطوير ذواتنا في ظل تعددية المعارف وتضخم العملية الفكرية في العالم. وأوضح د.عبد العزيز المتخصص في التنويم الإكلينيكي قدرة هذا العلم في التخلص من العادات الضارة كالتدخين، وإمكانية الاستفادة من التجارب في الغرب في افتتاح عيادات خاصة بالتنويم الإيحائي كما في بريطانيا وأمريكا وألمانيا. ووصف الشهراني البيئة التدريبية في المملكة العربية السعودية بأنها متقلبة وغير واضحة، معللاً بأن من يقوم على العملية التدريبية من مدرب ومتدرب والمؤسسة العامة للتدريب يفتقدون للفهم الحقيقي لمضمون التدريب وما يمكن أن يؤثّر به في حياتنا.
(الجزيرة) التقت بالدكتور عبد العزيز الشهراني المتخصص في التنويم الإكلينيكي فإلى تفاصيل الحوار:
البداية الحقيقية
للتنويم الإيحائي
* حدثنا عن البدايات التاريخية لعلم التنويم الإيحائي؟
- البداية الحقيقية لعلم التنويم الإيحائي لا يمكن التأكيد عليها، يقال أن هذا العلم بدأ قرابة عام (1500م) مع براسيلسيوس، كما يقال أن التنويم المغناطيسي بدأ قبل الميلاد وجاء عند الفراعنة وبالتحديد عند أبي الطب المصري القديم (أمحوتب) وذلك سنة (2850) قبل الميلاد.
التنويم الإيحائي بدلاً من التنويم المغناطيسي
* ما سبب شيوع مسمى التنويم المغناطيسي بدلاً من التنويم الإيحائي بين الناس، وما الفرق بين المسميين؟
- مسمى التنويم المغناطيسي جاء في عام (1766) تحت تأثير النظرية الفيزيائية عند نيوتن، فقد أكد العالم (فرانتز انطون مسمر) وجهة النظر القائلة بأن الأجسام الحيّة وخصوصاً الكائن البشري تخضع لتأثير الكواكب والنجوم، ومارس بالتالي الطب المغناطيسي من خلال استخدام مغناطيس أو عدة قطع ممغنطة وتطبيقها على أعضاء جسم المريض, ونتيجة لهذا الاستخدام لاحظ (مسمر) حدوث أزمة عند الشخص المصاب بالمرض تؤدي إلى اختفاء العوارض المرضية وانطلاقاً من هذا الاستنتاج وضع فرضيته العلمية عن (التيار المغناطيسي).
وقد قوبلت نظرية مسمر بكراهية ومعارضة أطباء فينيا فهاجر عام 1778 إلى باريس، وفي عام 1826 شكلت أكاديمية الطب لجنة للامتحانات كلفت بموجبها الطبيب في (اوتيل ديو) (هيسون) لصياغة نتائج تقريره، وفي عام 1831 أذاع التقرير المتعاطف مع فكرة المغناطيسية، حيث رفضت الأكاديمية نشره لأنها تتخذ من الأساس موقفاً معادياً من التنويم المغناطيسي, لكن الأكاديمية عادت وكلّفت عام 1837 شخصاً آخر معروفاً بعدم موافقته على مقولة المغناطيسية أو التنويم المغناطيسي هو (دوبو داميان)، حيث أكد في تقريره عدم وجود شيء يسمى (حالة الروبصة المغناطيسية).
وفي عام1843 نشر الجراح (جيمي بريد) مقالته (التنويم العصبي) الذي استبدل فيها تعبير (نظرية التيار) ب(النظرية العصبية الفسيولوجية) والتي تفيد بأن الإثارة النفسية الفيزيائية لشبكة العين تؤثّر على الجهاز العصبي فتحدث التنويم العصبي.
وفي عام 1882 تم تفسير دور الإيحاء في ظاهرة التنويم المغناطيسي بأن الإيحاء يهيمن على معظم ظواهر التنويم، وهكذا تم التوصل إلى الاعتقاد بعدم وجود (علم التنويم المغناطيسي)، بل بوجود (الإيحاء) فقط، ولكن استمرت التسمية لدى الناس لأسباب أهمها التأثير القوي في الكلمة على الناس وخاصة في المجتمع الغربي.
مراحل التنويم الإيحائي
* ما هي المراحل التي يمر بها المريض ليدخل في مرحلة التنويم الإيحائي؟
- هذا السؤال يهتم به كثيراً المتخصصون في هذا العلم لأنه دقيق جداً ويحتاج لشرح موسع ولكن بشكل مختصر الشخص في عملية التنويم يمر بثلاث مراحل انتقالية تحدث بها تغيّرات فسيولوجية (جسدية) وسيكولوجية (نفسية) وتختلف مدة ثباتها من شخص لآخر وهي كما وصفها المتخصصون كالآتي:
المرحلة الأولى وهي المرحلة التي يشعر فيها الشخص بالكسل والذي يسمى (بالكسل المرضي) ويشعر فيها بالاسترخاء وتتجمد العينان وبعض الأعضاء الجسدية.
والمرحلة الثانية يشعر الشخص فيها بتغيّرات في الذوق والشم، ويبدأ في فقد بعض المعلومات من الذاكرة ويبدأ بفقد جزئي للإحساس بالألم، والمرحلة الثالثة هي المرحلة الأخيرة التي يشعر فيها الشخص ببعض الهلوسات البسيطة والتي يذهب بعدها الشخص في نوم عميق.
أسباب فشل عملية التنويم
* ما الأسباب التي تؤدي إلى فشل عملية التنويم الإيحائي؟
- من أسباب فشل عملية التنويم الإيحائي عدم الاستخدام الأمثل للغة التنويم من قبل الممارس للتنويم، فعملية التنويم قائمة أساساً على اللغة الإيحائية (لفظية وغير لفظية) فإذا أخفق الممارس - وهو الشخص القائم على عملية التنويم - في اختيار الألفاظ المناسبة والأساليب غير اللفظية بالشكل الموافق للحالة فلن تنجح عملية التنويم. أيضاً المكسب الثانوي من ضمن الأسباب التي تؤدي إلى فشل عملية التنويم، ويقصد بها فائدة الشخص من السلوك على مستوى معين، وتكون الفائدة في الأغلب غير واعية.
فمثلاً الطفل عندما يمرض ويهتم أهله به ثم يتشافى, وفي مرحلة يشعر بقسوتهم وإهمالهم له فيمرض من أجل الاهتمام به ونجد أن مرضه بلا وعيه, فاهتمام الأبوين يعتبر مكسباً ثانوياً، فبسبب المكسب الثانوي الواعي أو غير الواعي لدى المستفيد قد لا تنجح التقنية.
وتضاف إلى هذه الأسباب الاعتقادات الخاطئة التي يحملها الشخص الراغب في التنويم والممارس للتنويم وهي على ثلاثة أنواع اعتقاد خاطئ تجاه الذات كأن يقول: (أنا أعرف نفسي لن أستطيع التنويم)، ثانياً اعتقاد خاطئ تجاه ممارس التنويم كأن يقول: (لن يستطيع فلان أن ينومني)، ثالثاً اعتقاد خاطئ عن التنويم كأن يقول: (أنا غير مقتنع بالتنويم).
سيطرة المعالج على المريض
* بحسب منظمة الصحة العالمية 90% من عامة السكان قابلين للتنويم، ونقلت لنا الأفلام قدرة المعالج على السيطرة على المُنوم، فهل يستطيع المعالج أن ينوم من لا يريد التنويم؟
- إن قدرة المنوم على إدخال الشخص في حالة تنويم مقيدة بأمور، وأهمها رغبة الشخص في الدخول في حالة تنويم، وأما ما نشاهده في التلفاز من حالات تنويمية وكأن الشخص دخل حالة التنويم رغماً عنه فهذا يدل على أحد أمرين، إما أن هناك اتفاقاً بين المنوم والشخص بأن يمثّل أنه دخل حالة التنويم دون أرادته، أو أنه سحر. أما التنويم الإيحائي فلا يمكن أن يكون كذلك فقد تعلمت هذا العلم وطبقته لسنوات عدة وتحدثت مع أساطين هذا العلم فأنكروا قدرة المنوم على ذلك مهما وصل المنوم بعلمه وخبرته.
التنويم للتخلص من العادات السلبية
* يساعد التنويم الإيحائي في التخلص من العادات الضارة كالتدخين مثلاً، كيف يتم ذلك؟
- التدخين عادة سلوكية يتم ترسيخها بالتعلم ثم الممارسة ومن ثم التعزيز، والتنويم الإيحائي يساعد في التخلص من العادات السلبية بشكل عام بإذن الله، وللتخلص من عادة التدخين نقوم بعمل جلسات تنويمية نرسل فيها للعقل الباطن رسائل بطريقة معينة وغير مباشرة، ومن ثم نقيس التغيير عبر تقنيات المعايرة، ثم نكرر الجلسات حتى يشعر الشخص أن هناك رفضاً لا شعورياً للتدخين، لأن أصل العادة في العقل الباطن وهذا ما نلاحظه عند ما لا يستطيع المدخن ترك العادة بسهولة لأن العقل الباطن يرسل رغباته بسبب المثيرات التي تؤدي إلى استجابات قوية غير مرغوبة، فلا يمكن بعد إذن الله أن نغيّر هذه الاستجابات إلا بتغير استقبال المدخن للمؤثّر وذلك عبر أنواع من العلاج ومنها التنويم الإيحائي.
علم أم سحر وشعوذة
* هناك من يرى أن التنويم الإيحائي من العلوم الوهمية وهو ضرب من ضروب الشعوذة والكهانة، فما ردك على ذلك؟
- هذا ما يرونه، وليس ما يراه المتخصص الذي تصور هذا العلم وفهمه بالشكل الحقيقي، فهذا علم النفس تم رفضه في بداياته وخاصة في بلادنا العربية والإسلامية والآن يتعلمه ويستفيد منه الكثير.
إننا بنمط تفكيرنا المعهود نرفض كل غريب وكأننا نقول إننا نعلم كل شيء ويحق لنا أن نقرّر ما هو صواب وما هو خطأ، مع أن القاعدة الشرعية تقول: (الحكم على الشيء فرع عن تصوره) والتصور هو فهم الشيء بكل جزئياته وكلياته، ثم بعد ذلك سؤال أهل الاختصاص وليس أهل النقد ومن لديهم نمط الإعاقة المعرفية الذين يرفضون أن تتطور عقولنا معرفياً بحجة أن ما يطرحه الآخر لا يجوز، فأين ذهبت (الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها فهو أحق الناس بها)، ووالله إنه لمضحك قولهم إن التنويم الإيحائي ضرب من السحر والشعوذة.
افتتاح عيادات خاصة
* ما رأيك بافتتاح عيادات خاصة بالتنويم الإيحائي في المستشفيات، وهل توجد تجارب غربية سباقة في افتتاح هذه العيادات؟
- الاستفادة من التنويم الإيحائي في العلاجات النفسية يوافق عليه كل متخصص وكل عارف بالتنويم الإيحائي، وما له من آثار قوية وسريعة في العلاج، أما تطبيق التنويم الإيحائي في المستشفيات فيحتاج لوعي أكثر لتطبيق هذه الفكرة، فأنا أعرف بعض الأطباء الحاصلين على ممارس التنويم عندي يطبقونه في عياداتهم ويؤكدون أثر التنويم في العلاج وكيف تعافى بسببه المرضى بقدرة الله، والتجارب في الغرب كثيرة وهناك عيادات في بريطانيا وأمريكا وألمانيا خاصة للعلاج بالتنويم الإيحائي.
البيئة التدريبية تفتقر للوضوح والثبات
* ما الصعوبات التي تواجه المدرب السعودي سواء كانت صعوبات مادية أو معنوية؟
- المدرب السعودي يعتبر من المدربين المتمكنين في مجاله الذي يدرب فيه، لكن للأسف البيئة التدريبية في المملكة العربية السعودية متقلبة وغير واضحة، والسبب أن من يقوم على العملية التدريبية من مدرب ومتدرب والمؤسسة العامة للتدريب يفتقدون للفهم الحقيقي لمضمون التدريب وما يمكن أن يؤثّر به التدريب في حياتنا.
* كلمة أخيرة تود إضافتها؟
- أننا نحن المسلمين واعون وقادرون على التفكير بشكل منطقي ذي نتائج مرغوبة، يجب أن ندرك أننا مسئولون عما سنقدمه للآخرين، ونحن بحاجة لفهم حقيقي لكل وافد ينطوي تحته فوائد حقيقية لنا نستطيع من خلالها تطوير ذواتنا في ظل تعددية المعارف وتضخم العملية الفكرية في العالم، والحاجة الماسة لمواكبة كل جديد مع الحرص على أن يتوافق مع شريعتنا السمحة دون إفراط ولا تفريط، وأشكر كل من ساهم في تسهيل إقامة الدورات التدريبية التي من شأنها تطوير قدرات الأفراد والمؤسسات.