حينما ظهرت إشاعة الزئبق الأحمر في ماكينات الخياطة (السنجر) هرع الكثير ما بين مصدق ومكذب من أن هذه الخردة التي لم تعد تذكر عند جداتنا تشترى بهذا الثمن الخيالي بعد أن كان قد رمى بها في أحد المستودعات في المنزل وعفا عليها الدهر سنين!! ونجد كثيراً من انتقد الجميع بتصديق هذه الإشاعة والركض وراءها.. ولكن أقول هذه الإشاعة بثت في التوقيت المناسب لبثها.. فحينما يكون هناك مواطنون يشعرون بالضيق المادي وتراكم الديون وغلاء المعيشة وغلاء الإيجارات ثم تأتي وسط هذا الخضم الهائل من المطالبات على المواطن من أقساط سيارة وإيجار منزل حتى أن البعض في نصف الشهر لا يبقى معه ما يسد رمقه فيحتاج إلى أن يستلف فوق ديونه ثم تأتي هذه الإشاعة وكأنها المصباح السحري لتحقيق شيء من الثراء النسبي فحينما تقول لمعدم إن مكينة جدتك تباع بـ150 ألفاً ماذا تنتظر منه أن يقول!! أنتظر من شخص متعطش مطحون من الديون أن يقول أنت كاذب!! لا وألف لا بل سيذهب ويطير من الفرح ويعتبر نفسه حصل على كنز ويبدأ في البحث في مستودعه ومستودع والدته وجدته وجيرانه لعله يفوز بهذا الحلم الذي نزل عليه فجأة وأني لأستغرب أن يطلق على هؤلاء بأسماء المطافيق أو المهابيل.. لماذا!!! فالناس خلقت مختلفة في مستوى العقل والتفكير فالله لم يخلق العباد على صفة واحدة بل خلقهم مختلفون في كل شيء فمنهم ذو العقل السلبي الذي لا يصدق أي خبر وربما ذهبت موجة تلك الإشاعة دون أن يتخذ منها موقفاً لا بالتصديق أو بالتكذيب!! ومهم المريض والمشكك الذي لا يصدق الخبر الصادق ولا الخبر الكاذب!! ومنهم من وضع على نفسه حصانه فهو يتفحص الخبر ثم يصدقه بعد أن يتأكد من صحته، والبعض الآخر تطغى عليه حاجته وأهواؤه فيصدق الخبر ويطير وراءه دون أن يتأكد من صحته إذا البشر مختلفة في مستوى العقل والتفكير!! وأن الظروف التي يعيشها هذا الفرد والضغوط هي السبب الذي يجعل البعض يستقبل هذه الإشاعة ويصدقها ويجري وراءها!! فإن العطشان لو قلت له خلف هذا السراب ماء لركض وراه!! فالكل يبحث عما ينقصه سواء كان هذا الكلام صحيحاً أم كاذباً!
وإن الإشاعة لتلقى قبولاً لدى الأفراد التي ينقصهم ما روجت له هذه الإشاعة ليست فقط في مجال هذه الماكينة والزئبق ولكن في كل المجالات فلو قيل إن سوق الأسهم سيرتفع غداً لوجدت الكثير من الخسرانين يشترون اليوم حتى ولو كانت كذبة وإشاعة وأني لا أخشى أن تظهر بعد فترة إشاعة أخرى مفادها (أن القدر الذي كانت جداتنا تحلب فيه البقرة يوجد في قعره يورانيوم.. الخ) ثم يطير خلفها من يطير إذا ملخص الموضوع أن قابلية الفرد للاستهواء والتصديق موجودة طالما هو يعيش وسط مجتمع يؤثر فيه ويتأثر به، فالإنسان ليس بمنعزل عن مجتمعه حتى يكون كما قيل لا أسمع لا أرى لا أتكلم.. وبالمقابل هناك أشخاص لم تلقِ هذه الإشاعة عندهم رواجاً مثل بعض متوسطي الدخل الذين يضعون على أنفسهم حصانة ضد أي خرافة أو كذبة ولكن نجد أن هناك فئة لا تلقى الشائعة لديهم أي أصداء ولا يلتفتون لها إطلاقاً أتدرون من هم! هم الهوامير والتجار وأهل العقار والمرتاحين مادياً من كان يسكن قصر أو فلة وسيارة آخر موديل وراتب ضخم لو قلت له إن ماكينة السينجر تساوي ربع مليون لقال لك دعك من هذا الجنون ولقال بكل ثقة إنها إشاعة.. ولن يلتفت لهذه الإشاعة وحتى لو كان بيته مليئاً بالماكينات فلن يصغر نفسه لهذه الماكينة فهو ليس في حاجة لها ولا إلى المبلغ الذي سوف يجنيه من بيعها!!! فأقول إن الإشاعة تلاقي رواجا عند المحتاجين لها أكثر من غيرهم فتلاقيه يركض لعله يجد لما هو مخرج لو ما يكفيه لبضع أشهر فثمن هذه الماكينة لن يغنيه العمر كله أو يقلب حياته رأساً على عقب ولكن لعله بثمنها يداوي جروحه ويفرح نفسه لبعض الوقت!! فلا نلوم من صدق هذه الإشاعة ونقول إنه مجنون فما يعيشه من ضغوط مادية جعلته كالمجنون، بل نلوم الظروف التي جعلت هؤلاء يصدقون هذه الإشاعة وينقادون لها ويصدقونها فقابلية الفرد للتصديق تخضع للظروف والضغوط التي يعيشها تحت وطأتها. ولكم خالص شكري.
- الرياض