مع بداية الإجازة الصيفية تتعدد المناسبات الاجتماعية، واللقاءات الأُسرية والأعراس والليالي المِلاح فإليك طرفاً من أحكام الشريعة في المناسبات والولائم والأفراح.. وإليك هذه التنبيهات: سائلين الله للعروسين حياة سعيدة هنيئة مريئة.
أولاً: يقول العلماء: الوليمة وهي في الأصل مأخوذة من الولم وهو الاجتماع لأن الزوجين يجتمعان، وهي طعام العرس.
وإذا اسعفتني الذاكرة، فالعلماء كذلك يصنّفون الولائم عموماً ثمانية أنواع:
1 - العقيقة: للولادة، إيذاناً بحمد الله على سلامة المولود وأمه.
2 - الوكِيرة: بمناسبة الانتهاء من بناء المنزل مأخوذة من الوكْر وهو المأوى والمستقر.
3 - والنقيعة: للقادم من السفر، مأخوذة من النّقع الذي يصيب قدميه (أي الغبار)، واختلف العلماء: هل يعملها هو أم تُعمل له؟
فقالوا: النقيعة يصنعها القادم لنفسه، والتي تُصنع له هي التُحفة.
4 - الأعذار: للختان، وقيل تُسمى الغديرة.
5 - المأدبة: لما يُصنع من الطعام بلا سبب.
6 - الخرْس: بسكون الراء لسلامة المرأة من الطلق وقيل هي طعام الولادة.
أما العقيقة فتُحصى بيوم السابع.
7 - الوضيمة: ما يُصنع عند حلول المصائب والمآتم.. كفانا الله شرّها.
8 - القِرى: طعام الضيف.
إلى غير ذلك من أسماء المناسبات... إلخ.
والذي نحن بصدد الحديث عنه عبر هذه الومضة المقتضبة هو: دعوة الوليمة وما تتضمنه من أحكام ومنها:
ثانياً: إن البعض يتوهمون أن إجابة الدعوة عادة لا عبادة، والصواب أنها عبادة لا عادة.. فلا بد من استحضار النية في ذلك مثلها مثل بقية العبادات.. ولا سيما أن المشهور من أقوال العلماء وجوب إجابة الدعوة.
قال صلى الله عليه وسلم: شر الطعام طعام الوليمة، يُدعى لها الأغنياء ويُترك الفقراء ومن ترك الدعوة فقد عصى الله ورسوله (البخاري).. وقوله: شر الطعام: أي إذا حصل فيها ما ذكره من دعوة الأغنياء فقط.
وقال صلى الله عليه وسلم: (أجيبوا هذه الدعوة.. أي دعوة العرس.. وقال: أيضاً: حق المسلم على المسلم ست.. وذكر منها: وإذا دعاك فأجبه، فهي حق عليك وليس تفضُّلاً منك عليه!! وقال صلى الله عليه وسلم: فكوا العاني (الأسير) وأجيبوا الداعي، وعودوا المريض).. لكن المصيبة التي نعاني منها ليس هي فقط.. عدم إجابة الدعوة حتى بين الأقارب.. بل عدم إجابة الدعوة وعدم الاعتذار!!
وهذه أوجب الواجبات وأقل حقوق المرء على أخيه المسلم وغير المسلم.. وهذه تتنافى حتى مع أبسط مبادىء الرجولة والشهامة!!.. بل صرَّح جمهور الشافعية والحنابلة أنها فرض عين أقصد إجابة الدعوة.. وهو الذي يفتي به الشيخ ابن باز -رحمه الله- وغيره من علماء البلاد.. فلذلك إذا حصل عدم الإجابة وعدم الاعتذار فربما تحوّل الفرح من إرادة للمّ الشمل والألفة والمحبة والإخاء إلى الفرقة والشتات والشحناء!!
وحول دعوة البطاقة: فالذي يفتي به الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- أنها لا تجب وجوباً إلا إذا عيّنه الداعي، أو كتب إليه كتاباً خاصاً أو ذهب إليه أو كلّمه مشافهة فإنها تجب.
أما البطاقات العامة فالذي يظهر أنها ترسل على العموم للإحاطة والدليل هو عدم المتابعة وعدم المعاتبة في عدم الحضور، أو يرسلها لكي لا يغضب.. أهـ.
قلت: وهذه قريبة من دعوة الجفْلى: أي الدعوة العامة.. والتي يرى العلماء عدم وجوب إجابتها لكنها لا تعدو كونها مستحبة.
ثالثاً: شروط إجابة الدعوة: العلماء يشترطون لوجوبها شروطاً ثمانية هي:
أ - أن لا يظهر أن قصد الداعي هو التودد لشخص بعينه لرغبة فيه أو رهبة منه.
ب - أن يكون الداعي مسلماً على الراجح من أقوال العلماء.
ج - أن يكون الداعي حراً مكلفاً رشيداً.
د - أن لا يخص الأغنياء دون الفقراء.
هـ - أن لا يسبق بدعوة من رجل ثانٍ فمن سبق تعيّنت الإجابة له، وإن حضرا معاً قُدِّم الأقرب رحماً على الأقرب جواراً.
و - وأن تكون الدعوة مختصة باليوم الأول على المشهور من أقوال العلماء.
ز - أن لا يكون هناك ما يُتأذى بحضوره من منكرات وغيرها.
ح - أن لا يكون له عذر.. وضابط العذر هو ما يعذره الشرع بترك صلاة الجماعة.
رابعاً: أُهيب بكل من أقام وليمة أن يراعي أقاربه وضيوفه الآفاقيين.. أي القادمين من الآفاق البعيدة.. وكذلك كبار السن (فليس منا من لم يوقر كبيرنا).. فيراعي حالهم وتعبهم وسفرهم فيُعجِّل بمائدتهم وطعامهم تكريماً وتشريفاً لهم حين أكرموه وقدّروه، لكن المصيبة الحمراء أن بعض الناس يؤخر الناس، ويشق عليهم بالانتظار، لأنه ينتظر شخصاً أو شخصين فيُهِن الجميع لإكرام شخص أو شخصين!! وفي ذلك يقول الشاعر:
ومن العجائب في الولائم أن ترى
حجز الجماعة لانتظارِ الواحد!!
خامساً: أُهيب بكل عائلة لها اجتماع أو مناسبات دورية مستمرة أن يستغلوا هذا الاجتماع بالفوائد والمشاركات سواءً كانت فوائد علمية أو تجارية أو طبية أو تعليماً للنشء عن عادات وتقاليد العرب في الشيم والقيم والمبادئ والرجولة و... و... إلخ.. ليستغلوا الوقت بما يفيد، ويقطعوا حجة من احتج لعدم حضوره بعدم الفائدة.. أو توهّم أن في ذلك تبذيراً وإسرافاً.. فالاجتماع بحد ذاته بين الأقارب هو الفائدة بعينها وهو صلة للأرحام وتقوية لوشائج القربى..
أما من ادعى أن الاجتماع في الشهر وجلب الذبائح أن في ذلك إسرافاً فقد ردّ عليه العلماء الكبار بأن ذلك لا يُعتبر إسرافاً.. عسى الله أن يجمع شمل الأقارب، ويصلح شأنهم ويؤلّف ذات بينهم..
هذه ومضة قلم، ونفحة ألم، ولغة لسان، وخلجة جنان، أُهديها لأحباب وإخوان، لعلها تعِيها الآذان، وتوقظ الوسنان، والسلام ختام!!
- موجه شرعي - رياض الخبراء
ali5001@hotmail.com