تعتبر الأسرة هي النواة الأولى في المجتمع ولهذا تختلف المجتمعات في شتى أنحاء المعمورة في نواحي القوة والضعف تبعاً لاختلاف عادات وتقاليد الأسر من حيث التماسك والترابط والتباعد والانحلال، وقد يحدث في عصرنا الحالي اختلال واعتلال، في كثير من عادات الأسر حسب أنواع وتعدد المشاكل والمآسي التي تواجه أفراد الأسرة لذا نجد بعض الناس يرى أن الحياة الأسرية دائماً كلها سعادة وفرح ولعب ولهو ولكن الواقع غير ذلك، الحياة عناء ومشقة وتعب وسعادة وحزن وألم وصحة ومرض وفشل ونجاح وأخذ وعطاء وبؤس ورخاء وفقر وغناء وعسر ويسر، وهكذا الأيام فالمرء العاقل حقاً هو من اتسع صدره وامتد حلمه وصبره مع من حوله من أفراد الأسرة ودائماً ما يلتمس العذر والمبررات والحجج والبراهين عن الهفوات والأخطاء والزلات والعثرات مهما كانت صعوبتها وسهولتها كلما حلق في آفاق الكمال، فلننظر إلى حلم أشج عبد القيس حيث قال له الرسول صلى الله عليه وسلم: (إن فيك خصلتين يحبهما الله الحلم والأناة) رواه مسلم.
وقال تعالى: (وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ) (43) سورة الشورى.
إن في هذه الحياة أمور لا يفيد فيها اتخاذ القرار بالطريقة السريعة لا بد من التريث والتأني والروية لأن القرارات المتسرعة أو الارتجالية تخلف خلفها مآسي ومصائب مؤلمة ومحزنة حيث إن أصعب القرارات وأخطرها على مستوى الحياة الأسرية هو قرار الابتعاد عن عش الزوجية وبالأخص عندما يكون لهما أبناء، ولو استعرضنا بعض المآسي والمشاكل والمصاعب التي تعيشها بعض الأسر.. ويعانيها الأبناء كافة بسبب ابتعاد أحد الطرفين عن الآخر لأخرجنا قاموساً مجلداً من هذه المشاكل.
أكتب هذه المعاناة وبين يدي رسالة شفهية تلقيتها عبر هاتف متحرك شعرت جداً بالأسى والألم وأنا أتعمق في خطوطها الملتهبة وحروقها المشتعلة وكلماتها المحزنة وعباراتها المؤلمة مما جعلني أطيع قلمي الذي بين أناملي وأسطر هذه القصة للقارىء الكريم عن حياة هذه الأسرة سابقاً وحالياً بطلها الزوج هداه الله، الذي أخذ يسمع الشادرة والواردة ويرخي أذنه لكل أقوال سواء كانت صادقة أم كاذبة حاقدة أم حاسدة لجعل أفراد هذه الأسرة السعيدة في مهب الريح.
كانت هذه الأسرة سابقاً تعيش في سعادة ووئام ومحبة واحترام وتقدير وتعاون وترابط وتكاتف في السراء والضراء.
وعندما أحيل الزوج على التقاعد أصبحت الأسرة تفكر كثيراً في البحث عن سكن ملك بدلاً من الايجار يناسب أفراد الأسرة جميعاً.. ليلاً ونهاراً حتى استقر بها المقام في شراء فلة جديدة وجميلة في إحدى الأحياء الراقية في عاصمتنا الحبيبة الرياض وبعد هذا وذاك كانت الزوجة (العصامية) تعمل موظفة حكومية وتبذل جهداً كبيراً في أعمالها المنزلية وأعمالها الوظيفية إلى جانب سداد الديون التي عليها سواء كانت سلفاً نقدياً أو قرضاً من أحد المصارف المالية إلى جانب ما تقدمه من عون ومساعدة وتضحية لهذا الزوج الذي تعرض لظروف صحية صعبة، وكانت تحاول بشتى الوسائل أن توفق بين عملها وبين متابعة واهتمام وحرص شديد لحالة زوجها في احد المشافي ومتابعة أعمالها المنزلية حتى من الله عليه بالشفاء والصحة والعافية وكانت المبالغ المالية التي دفعتها من جيبها الخاص تقدر بحوالي 85% من القيمة الأصلية من شراء الفلة وكذلك التأثيث وكل مستلزمات السكن وكان الزوج يعترف اعترافاً كلياً لها في السر والعلن ولغيرها من أقاربه ان الزوجة هي التي تحملت العبء الأكبر من قيمة الفلة عند الشراء وفي يوم من الأيام دب خلاف بينهما أسوة بما يحصل من الخلافات الزوجية أو الأسرية إلا أن الخلاف أصبح بينهما بتصاعد رويداً رويداً كتصاعد النار في الهشيم من يوم إلى يوم حتى ابتعدت الزوجة (العصامية) عن المنزل بسبب هذا الخلاف الحاد وأصبحت الزوجة تعيش في مسكن لوحدها وكذلك الزوج يعيش وأبناءه في مسكن لوحدهم، مما جعل الزوج يجحد كافة الأمور المالية التي قامت بها الزوجة وأخذ الأبناء يتساءلون كثيراً عن أسباب ابتعاد أبويهما عن بعضهما البعض في لحظة سريعة ينتابها الغضب والانفعال من قبل الطرفين وأصبح الأبناء الأبرياء الذين ليس لهم ذنب في هذه المعاناة القاسية. فالزوجة (العصامية) لا تستطيع أن تضم الأبناء عندها بسبب اصرار الزوج وعناده الشديد وكذلك الزوجة تريد أن يزورها الأبناء وأصبح العراك بينهما بين مد وجزر الزوج يمنع الأبناء من زيارة الأم والزوجة تريد من الزوج السماح للأبناء بزيارتها.
وهكذا بعدت المسافات بينهما فالواجب على الزوج أن يرجع إلى صوابه ويجلس مع نفسه ملياً يراجع حساباته بدقة وينظر إلى الأمور بتأن وروية فيسمح للأبناء بزيارة والدتهم في الأسبوع مرة على الأقل فربما ترجع الحياة الأسرية إلى استقرارها بإذن الله.
وترجع الأسرة إلى عشها مرة ثانية وتتحسن المعاملة بين كافة الأطراف وتستمر الحياة الزوجية بينهما.
وادعو الله سبحانه وتعالى لكل أسرة دبّ بينها خلاف أو نزاع أو شقاق أو تباعد أن يتصالحا بينهما لمصلحة هؤلاء الأبناء زهرة الحياة الدنيا.
والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
- الرياض