Al Jazirah NewsPaper Tuesday  28/07/2009 G Issue 13452
الثلاثاء 06 شعبان 1430   العدد  13452
التنشئة الأسرية
د. خليل إبراهيم السعادات

 

النظرة العلمية التي ينظرها الإسلام لنشأة ونمو وتكوين الإنسان عبر مراحل وجوده تتجلى في مقومات الربط بين تلك المراحل، منذ انعقاد النطفة وحتى بلوغه مراحل الشيخوخة، فقد ربط الإسلام بين أنواع الأغذية التي يتناولها الوالدان وبين النطفة التي يتكون منها الجنين، كما ربط بين تعامل الوالدين مع الطفل في نشأته الأولى وما يحيط به من أجواء وظروف ومحيط وبين تكون شخصيته. جاء ذلك في أحد المواقع على الشبكة المعلوماتية، وذكر أن الإنسان عندما يكون مسلماً مستقيم السلوك والشخصية أو عنصراً منحرفاً إنما يشارك في ذلك تأثير الأبوين والنشأة الأولى، فالإنسان يولد على الفطرة النقية الصافية المتجهة نحو الاستقامة في أصل نشأتها، إلا أن هذه الفطرة قابلة للتكيف وتقبل مختلف صور الفكر والسلوك فتتشكل الذات وتتكون الشخصية في مرحلة النشأة الأولى ويتضح ذلك في قول الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم -: كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه هما اللذان يهودانه وينصرانه ويمجسانه.. او كما قال، ويتحدث القرآن عن هذه الحقيقة حقيقة العلاقة بين التربية الأولى التي يتولاها الآباء وبين سلوك الإنسان بعد مرحلة البلوغ والتكامل العقلي والجسدي، قال تعالى {وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ }.

ويذكر الكاتب أن القرآن بهذا يربط بين ما يتعلمه ويكتسبه الإنسان في نشأته الأولى مما يسمع ويرى ويعقل وبين ما تؤول إليه الشخصية فيما بعد، لذا دعا الآباء إلى تربية أبنائهم تربية صالحة وحذرهم من نتيجة الإهمال.. ويربط الإمام علي بين ما يكتسبه الإنسان في مرحلة الطفولة وبين ما تستقر عليه شخصيته من أوضاع فكرية ونفسية وسلوكية في مرحلة البلوغ في وصيته لولده الإمام الحسن السبط: قال: (إنما قلب الحدث كالأرض الخالية ما أُلقي فيها من شيء قبلته فبادرتك بالأدب قبل أن يقسو قلبك ويشتغل لبك لتستقبل بجد رأيك من الأمر ما قد كفاك أهل التجارب بغيته وتجربته فتكون قد كُفيت مؤونة الطلب وعوفيت من علاج التجربة). وهنا يشير الكاتب إلى أن الإمام المربي يثبت لنا بذلك مبدأ تربوياً مهماً وهو المبادرة إلى تربية الطفل تربية صالحة (قبل أن يقسو قلبه، ويشتغل باله). إن هذا المبدأ التربوي القائم على أسس علمية يدعونا إلى المبادرة لتربية الطفل وتعليمه قبل أن تتشكل شخصيته وتأخذ صيغتها وتمتلئ بالتجارب والمعلومات غير السوية وتتطبع على أنماط من السلوك يحتاج التخلص منها إلى إعادة التربية وتشكيل الشخصية مرة أخرى، وفي إعادة التصحيح والإصلاح جهد ومعاناة وتحمل للتبعات والمشكلات التي يرتكبها الناشئ والشاب. وربما تعذر حل بعضها وذهب الإنسان ضحيتها، ذهب ضحية المشكلات التي واجهها في تربيته وأسرته الأولى. وبحسب الكاتب فإن منشأ الكثير من العقد والأمراض النفسية والمشكلات السلوكية هو مرحلة الطفولة غير السوية التي تنشأ تحت وطأة المشكلات والأجواء المضطربة والمتأزمة والتعامل غير السليم.

كما أن سبب العادات الحسنة بشكل أساس هو التربية البيتية كذلك فإن كثيرا من الحالات الانحرافية والعقد والأمراض النفسية التي يعاني منها الفرد في مرحلة الشباب مثل الحقد والشعور بالنقص والكسل والاتكالية والأنانية والعدوانية والمخدرات والتسكع والكذب والسرقة والنفاق وسوء معاشرة الآخرين والانطوائية والجبن، تعود نشأتها إلى التربية البيتية في مرحلة الطفولة، فتنشأ مع الإنسان عاداته وأخلاقه وصفاته وتشب وتبقى تلازمه وان كان التخلص منها والانتصار عليها أمرا ممكنا ويذكر أن الإنسان كائن ذو إرادة واختيار وقدرة على التغيير إلا أن ذلك يكلفه مشقة ومعاناة، كما أن البعض يذهب ضحية تلك التربية.

لذا فإن من أسباب فهم الإنسان لشخصيته وللحالات التي يعاني منها أو الأخرى الإيجابية في شخصيته أن يستذكر طبيعة نشأته الأولى ويدرس ظروف الطفولة التي نشأ فيها ليعرف منشأ المشكلة أو الإيجابية في شخصيته، وعلى الله الاتكال.




 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد