Al Jazirah NewsPaper Tuesday  28/07/2009 G Issue 13452
الثلاثاء 06 شعبان 1430   العدد  13452

وجاءت سكرة المنصب بالطيش..! 2- 2
د. حسن بن فهد الهويمل

 

والذين يتهافتون على المغانم غير المشروعة ويتسللون لواذاًَ عند المغارم يحتجون بمن حولهم من المتلاعبين، ولسان حالهم يقول: ما بالنا نثير وغيرنا يصيد، وما علم أولئك أن الخطأ لا يبرر الخطأ، وأن المقدمات الخاطئة تؤدي حتماً إلى نتائج خاطئة..

.. وأن قيمة الإنسان في صلاحه وعفته أمام المغريات وفي الحديث: (طوبى للغرباء الذين يَصْلُحون إذا فَسَدَ الناس) وكبح جماح الغرائز في عنفوانها مؤشر الإرادة القوية ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم -: (إن الله يحب الشاب الذي ليست له صبوة) ذلك أنه يكبح ثورة الغرائز، أما غيره من الكهول فإن غرائزهم منطفئة؛ ولهذا ضوعف عذاب ومقت الأشيمط الزاني، وإن ميزة الرجال في قوة الإرادة، وليست في مسايرة الفساد المستشري ومن احتج بالواقع فحجته داحضة، وكل عابث بمقدرات الأمة لإشباع نوازعه ورغباته تذهب لذاته وتبقى حسراته، ولو عرف المتلاعبون أنهم محاسبون على الجهد والوقت والمال لما فرطوا في شيء من ذلك، وليس هناك ما يمنع من التمتع بمعطيات الوظيفة المعنوية والمادية متى كانت مشروعة وفي حدود المقبول، إذ لا يجوز الإخلال بواجبات الوظيفة تحت أي مبرر، والذين هداهم الله واستعملهم فيما يرضيه من تسهيل لحاجات عباده يجدون لذة في الإحسان إلى الناس والسعي في حاجاتهم، وإدخال السرور إلى نفوسهم وابتهاجاً في القرب من قلوب الناس، وكل من ألف شيئاً وجد اللذة والراحة في قربه، وكيف لا ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول لمؤذنه: (أرحنا يا بلال بالصلاة) وفي المقابل يقول: (أثقل الصلوات على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر)، فالمسؤولية وأداء وظيفتها على وجهها يسيرة وسهلة على من يعرفون ما يضمرون من سوء النوايا، فالمذنب وإن استمر الذنب لديه إحساس بأن المجتمع يرفض الانحراف ويمقت المنحرفين، ولن يتأتى القبول والانسجام إلا مع حسن النية وسلامة القصد ويقظة الضمير وأخذ المسؤولية بحقها، وكم من مسؤول موفق يجد لذة في العمل النصوح، والمستغرقون في لذة العبادة أو العمل الشريف يقول قائلهم: (لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من اللذة لجالدونا عليه بالسيوف).

والاستغراق الصوفي السوي ينسي الإنسان عناء الاستغراق في العبادة والتأمل والتفكر؛ لأنه يعيش اللذة الحقيقية لذة الروح الفانية في الملكوت، ولو نظر المتهالكون على حطام الدنيا إلى المسؤولية بعين العقل والبصيرة لهانت عليهم، وكيف لا تهون والدنيا بحد ذاتها لا تساوي عند الله جناح بعوضة، وليس فيما نقول قنوط ولا تشاؤم، فالدنيا فيها خير كثير، وأذكر أنني قرأت مقالاً ل(عبد الوهاب عزام) يفضل دعاء (اللهم أبقنا في هذه الدنيا على خير) على دعاء (اللهم أخرجنا من هذه الدنيا على خير)، وامتعاضنا واستياؤنا لا يدفع إلى اليأس والقنوط ولا يحمل على النظرة التشاؤمية الإحباطية، فأجهزة الدولة تفيض بالكفاءات النزيهة المقتدرة ولكننا نخاطب بلغة القادرين على التمام على حد:

ولم أر في عيوب الناس عيباً

كنقص القادرين على التمام

والذي يحدونا على هذه الشدة والحدة وارتفاع النبرة ما نراه ونسمعه، فالناس يكادون يجمعون على وجود فساد إداري حتى لقد تواترت الأحاديث عنه واستفاض القول، والأمة لا تجمع على كذب، والإشاعات الكاذبة لا يمكن أن تبلغ حد التواتر، والمتناجون إما متندرون أو متذمرون أو مستبطئون لمواجهة هذه الموجة العارمة من الفساد الإداري، وتفشي مؤشراته من رشوة ومحسوبية وتعطيل للمعاملات وتسويف بالوعود وترديد للمراجعين وضعف في الأداء وسوء في التوزيع وأخطاء في الممارسة واستغلال للمسؤولية، وإبطاء في التنفيذ وتزاحم خانق على كافة المرافق وعطل وتعطيل مؤذن بفساد كبير، وهذه المظاهر غير السوية وغير الحضارية تعود على البلاد والعباد بالشر المستطير، والذين يقترفون الخطيئات بحق وطنهم وأمتهم يفقدون الولاء والمحبة للوطن المعطاء الذي أخرجت أرضه كنوزها ومكنته من التمتع بخيرات العالم، الوطن الذي وفر الأمن والاستقرار والرخاء.

لقد أبدى قائد هذه الأمة إلى شواطئ السلامة امتعاضه من بعض الظواهر غير السوية واعطى إشارات تحذيرية ولكن المبطلين في غيهم يعمهون، ولم يبق والحالة تلك إلا مباشرة الردع والضرب بيد من حديد على كل متلاعب كذاب ولقد فعلها من قبل جلالة الملك فيصل بن عبد العزيز - رحمه الله - حين تفشى العبث بمقدرات البلاد واستقبل الناس إجراءاته الصارمة بالارتياح؛ لأنها أخذت المذنب بذنبه ولم تخش بالحق لومة لائم، وما لم تتضافر الجهود وتبادر الجهات الرقابية والمحاسبية لتطويق المشكلات وحسمها والضرب على يد العابثين والمتهاونين، فإن الأمر سيزداد سوءاً ومتى ألف الناس هذه الظواهر واستمرؤوها أصبح من الصعب الإقلاع عنها، وقد تكون يوماً من الأيام من الأمراض المستوطنة، وكم من عادات سيئة رقق بعضها بعضا وأصبحت كما العادات القاهرات ومن شب على شيء شاب عليه، وكم نرى ونسمع من يرى الرشوة من باب الإكراميات التي ألفها الناس، والرسول - صلى الله عليه وسلم - لعن الراشي والمرتشي والرائش، واللعن يعني الطرد من رحمة الله فهل يرضى المسلم لنفسه هذه المهانة، ولما كان الإنسان مجموعة قيم ومواقف وليس صورة لحم وعظم، فإن من الغرابة أن تهون عليه نفسه وكرامته بحيث لا يؤدي واجبه الوظيفي إلا بثمن بخس يدنس به سمعته وينمي جسمه على السحت، وفي الحديث: (كل جسم نبت على الحرام فالنار أولى به) وفي الحديث: (أطب مطعمك تجب دعوتك، وكم من سائل بح صوته ولم يستجب له لا لشيء إلا لأن مطعمه حرام ومشربه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب له.

وبئس مسؤول يخشى الناس ولا يخشى الله ويستخفي من الناس ولا يستخفي من الله، وما أحوجنا إلى تفعيل مبدأ الثواب والعقاب:

قسا ليزدجروا ومن يك راحماً

فليقس أحياناً على من يرحم


 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد