Al Jazirah NewsPaper Tuesday  28/07/2009 G Issue 13452
الثلاثاء 06 شعبان 1430   العدد  13452

أيها الزمن ماذا فعلت بنا؟
عبدالرحمن بن سعود الهواوي

 

قال أبو الطيب المتنبي:

صحب الناس قبلنا ذا الزمانا

وعناهم في شأنه ما عنانا

ما ماهية هذا الزمان الذي صحبه الناس قبل المتنبي وصحبه هو نصحبه نحن؟ وكل من صحبه تعب وتحير في شأنه...

.. لقد أتعب الزمان وما هيته ومفهومه الإنسان منذ ابتداء وعيه وإدراكه وإحساسه بوجوده، فالزمن له تأثير هائل يحس ويشعر به الإنسان في نفسه وفي الكون - العالم - المحيط به. ويعتبر الزمن واحدا من الأمور الغامضة أو غير المفهومة للإنسان، ولا يستطيع أي شخص كائن من كان أن يعرف الزمن وما هيته، ولتسهيل مشكلة معرفة الزمن وما هيته فرق الإنسان بين نوعين من الزمان، زمن رياضي - فلكي -، وزمن نفسي أو وجداني، فالزمن الفلكي عرفه الإنسان نتيجة للتغيرات والتبدلات المختلفة التي تحدث من حوله مهما كانت مدتها قصيرة أو طويلة، فهي التي ساعدته ومكنته من معرفة أن الزمن قد مر وعدا، وأنه موجود، وأنه نتيجة لحركة، وأنه يمكن قياسه بالمدة التي يقطعها متحرك، وهذا حساب للزمن تستغرقه حركة شيء في قطع مسافة، أي أنه وثيق الصلة بمكان، ولذا سمي بالزمان المكاني - مثل دوران الأرض حول الشمس، ودوران القمر حول الأرض-. أما الزمان النفسي فهو معطى مباشر في وجدان الإنسان، أي أنه عيان الإنسان لنفسه وحالته الباطنية - الداخلية - والإنسان السوي - السليم - عنده لزمانه الوجداني ثلاثة أحوال: الذاكرة (الزمن الماضي)، والانتباه (الزمن الحاضر)، والتوقع (زمن المستقبل)، أي أن الزمان لا وجود له إلا إذا كان في النفس تأثر مستمر ودائم.

إن ما يهمنا هنا هو زمن الذاكرة - زمن الماضي - فأي إنسان - وخصوصاً من بلغ به العمر حد الكبر - فهو في زمن حاضره قد تعود به ذاكرته إلى زمن بداية حياته الماضية، أي بداية وعيه وإدراكه وتفكيره، ثم تستمر معه ذكرياته حتى يصل إلى لحظته الراهنة، وهنا فإنه يحس ويشعر أن الزمن قد فعل به ما فعل، وهل أن هذا الزمن الذي فات وعدا قد تحققت فيه طموحات وآماله وأحلامه أم أن زمنه الماضي قد سار به عكس ما يريد مع قدرته على تذكر كل لحظة من لحظات حياته الماضية. ولكن لا سبيل لديه لاسترجاع أي يوم من أيامه الفائتة، وعندما يعود من ذكرياته عن زمنه الماضي إلى زمنه الحاضر يتبين له أن هذا الغول الرهيب والمسمى بالزمن قد فعل بنفسه ووجدانه وجسمه ما فعل، فهو قد يتحسر على ذكريات حلوة مرت عليه في لحظات من زمنه الغابر، أو أنه قد يتأسف ويندم على أفعال سيئة قام بها تجاه نفسه أو تجاه غيره، وعندما ينظر إلى جسمه يدرك أن الوهن والضعف قد هد أركانه وأن شعر رأسه وذقنه مبيضان، وأنه أصبح كثير الشكوى، كثير الملل، خامل التفكير، ينادي فلا مجيب، ويتمنى صديقا فلا يجد صديقا وصار زمنه يمر عليه ببطء شديد، حتى زوجته التي كانت في زمنه الماضي تحمله ويحملها وأنجبت له البنين والبنات أصبحت مثل حاله، وأنها مثله في هم وخوف من أجل الأولاد وأولادهم، فهم إن حضروا أفرحوا وإن غابوا أضروا..


 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد