تنوّعت مؤخراً أساليب الإعلان التجاري بمختلف ألوانها وصورها، منها ما يهدف إلى ترويج احتياجات لا غنى عنها، ومنها ما يهدف إلى استنزاف أموال المستهلك بكل الأشكال والصور.
يُعتبر الأطفال واحداً من الأهداف التي يترصّدها الإعلان، وعندما نقول الأطفال فإنّ هذا يشمل المراهقين حتى سن الثامنة عشر حسب التعريف الأمريكي للطفولة، فهم سر سعادة الأسرة وأغلى ورود مزهرياتها، وهم العنوان الأبرز في سفر أفراحها المطرّز بالحبور، ولأنهم كل ذلك وأكثر فنادراً ما يردّ لهم طلب، ومن هنا تتنوّع أساليب الإغراء لتشمل الألعاب، الثياب، الحلويات وهلم جرا، والتي لا بد وأن يسيل لها لعاب الأطفال، فتبدأ أنواع الضغوط النفسية التي تمارس على الأهل لتلبية الرغبات بدءاً باستخدام الحيلة مروراً بالصراح وانتهاءً بالإضراب عن الذهاب للمدرسة أو حتى عن الطعام أو الشراب، مما يضع الأسرة في وضع نفسي سيئ نتيجة لتكرار (الإلحاح) أو الإزعاج، فيبدأون في تلبية رغباتهم إما نزولاً عند عواطفهم تجاه فلذات أكبادهم أو قد يكون في أحيان كثيرة تجنباً لألوان الصداع التي قد تصيبهم إذا لم يفعلوا، والمشكلة أنّ الأهل بهذه الطريقة يشجعون السلوك العدواني في الأطفال أو ما يسمونه Ag
gressive Behavior.
وفي أمريكا أقامت American Psy
chological Association (APA)
قانوناً يمنع أي دعايات تستهدف الأطفال دون سن الثامنة، لما لها من تأثيرات سلبية على سلوك الطفل خاصة في اختيار الأطعمة الغذائية، فقد وجد أنّ الإعلانات تؤثر على الأطفال بطريقة تجعلهم يفضلون الحلويات وحبوب الإفطار على الغذاء الصحي من خضروات وفواكه.
أما بالنسبة للمراهقين فأثبتت الأبحات التي قام بها James U. McNeal,
PhD مؤلف كتاب The Kids Market: Myths and Realities (تسوّق
الأطفال ما بين الحقيقة والخيال)، أنّ الأطفال تحت سن الثانية عشر ينفقون حوالي 28 بليون دولار سنوياً على التسوق، بينما ينفق المراهقون 100 بليون دولار سنوياً، هذا بالإضافة إلى تأثير الإعلان على نظرة المراهق إلى جسده أو ما يسمونه Body Image والتي بالتالي قد تؤي إلى تحفيز النظرة السلبية لدى المراهق، فتؤثر على الثقة بالنفس أو ما يسمونه Self-esteem.
وبالطبع حين نذكر أثر الإعلان السلبي فلأننا ندرك تماماً أنّ هذه التأثيرات البصرية على عقول الأطفال ستكون ذات فعل مدمّر عند أولئك الأطفال من أبناء ذوي الدخل المحدود الذين لا يستطيعون مجاراة أقرانهم من الأطفال في شراء كل تلك السلع المعلن عنها في مختلف الوسائل، وآباؤهم بالكاد يصارعون الحياة من أجل توفير لقمة العيش الأساسية فما بالك بكل إغراءات الإعلانات؟
ومن هنا نجد فعلاً أنّ الطفل يعاني من الضغوط النفسية نتيجة لشعوره بالنقص مقارنة بأقرانه ومن عدم قدرته على الاستمتاع بطفولته على الوجه الأكمل، فبهذه الطريقة قد يميل الطفل إلى الانفراد والعزلة وعدم مشاركة الآخرين اللعب، أو قد يلجأ للكذب حتى يشبع الشعور الداخلي بالنقص المتولّد لديه، وفي بعض الحالات المتقدمة قد يبدأ في استخدام العنف كوسيلة للتنفيس عن المكبوت من مشاعره، وفي حالات أخرى قد يبدأ الطفل بالسرقة، إما بسرقة ألعاب زملائه أو حتى سرقة نقودهم ظناً منه أنها الوسيلة المثلى لإشباع رغباته، وهذا غالباً ما ينتشر في الأطفال ما فوق الثانية عشر.
وقد يصل الأثر النفسي في بعض الأطفال إلى ترك المدرسة لأنهم لا يستطيعون تحمل الفرق بينهم وبين زملائهم، هذا كله بسبب إعلان صغير لا تزيد مدته عن دقائق معدودة.
نحن لا ننكر أهمية الإعلانات وأثرها في ربط العلاقة بين المنتج والمستهلك الذي يدخل في نطاقه كافة شرائح المجتمع من كبار وأطفال، ولكن نحن نرى ضرورة تغير المتطرّف في توجيه الرسالة الإعلانية أي التي تهتم بالربح بأي وسيلة وإن كانت غير أخلاقية كما يحصل في أحيان كثيرة، وهذا الأسلوب قد يؤدي إلى مشاكل نفسية عميقة، خاصة عندما يصوّر الإعلان بأنّ الطفل الذي لا يملك تلك اللعبة لن يكون طفلاً مثالياً قط، أو لن يكون قادراً على أن يشارك أقرانه اللعب، وأفكار كهذه أفكار هدامة تؤثر سلباً في الأطفال، نظراً لحداثة سنهم وقلة إدراكهم، وهذا شيء ملموس في المجتمع وحقيقة لا يمكن إنكارها بل يجب التعامل معها بأساليب التوعية، وبضبط نظم وقواعد الإعلانات التجارية وخاصة للأطفال لما في ذلك من تأثيرات سلبية على سلوك الطفل.