Al Jazirah NewsPaper Tuesday  28/07/2009 G Issue 13452
الثلاثاء 06 شعبان 1430   العدد  13452

لكي لا يضيع الوقت بما لا فائدة فيه!
فهد سليمان التويجري

 

من حكمة الله وعدله، أن جعلنا سواسية في ساعات اليوم والليلة، فاليوم (أربع وعشرون ساعة)، يعيشها الكبير والصغير، الذكر والأنثى، والرئيس والمرؤوس، والعامل والعاطل، والصحيح والمريض، المسلم والكافر على حدٍ سواء، فلا يستطيع غني مهما بلغ غناه أن يزيد ساعات يومه وليلته، مع أن أعمارنا متفاوتة لحكمة يعلمها الله وحده، فالنقص وارد والزيادة غير ممكنة، فليس بمقدور أحد أن يأخذ من رصيد أيامك ويضعها في رصيد أيامه. الوقت هو الحياة، والحياة هي العمر، والعمر هو أنت، ومع ذلك يتسابق أكثرنا إلى قتل أوقاتهم بل ويتفاخرون في ذلك، وخذ مثلاً: نظام الدوريات لدى بعض المجتمعات، والدورية هي اجتماع أسبوعي بين مجموعة أشخاص، والمكان استراحة أو منزل أو مزرعة، أو مقهى أو عند (الابل) فيتفاخر بعضهم بهذه الدوريات (الاجتماعات) التي أقل أحوالها كلام لا فائدة من ورائه.

فيقول أحدهم بزهو وفخر!!

أنا كل ليلة مرتبط!!

فليلة الأحد مع زملاء الجامعة، الذين تخرجت معهم، وليلة الاثنين مع زملاء العمل، وليلة الثلاثاء مع الجيران، وليلة الأربعاء مع الأقارب، وليلة الخميس مع أقارب الزوجة، وليلة الجمعة جماعة المسجد.. وهكذا.

مع الإحاطة أن الاجتماع لأهميته وحتميته يبدأ من منتصف العصر حتى الساعة الثانية عشرة ليلاً وذلك كل ليلة، حتى يؤكد بعضهم قائلاً: ترى الجلسة عند (الابل) كل ليلة دعوة مفتوحة، وجلسة مفتوحة، والجلسة كل ليلة في الاستراحة أو المزرعة... إلخ.

ويعظم الأمر وتتفاقم المصيبة ويشتد الخطب إذا كان هذا فعل بعض المنتسبين إلى العلم والدعوة، أو الإصلاح والبناء.

حتى ولو فرضنا، أن الاجتماع كل ليلة على قرآن أو سنة، أفليس هناك حقوق أخرى؟ كيف والاجتماعات ليست كذلك، فأين حق الله!! أين حق النفس!! أين حق الأمهات والآباء، أين نصيب الزوجة والأولاد!! أين حفظ الأوراد والأذكار!! أين وأين!!.

حقوق ضيعت، وواجبات تركت، ومسؤوليات أهملت، وذلك من أجل جلسة (البعارين) أو الاستراحة، أو اجتماع المزرعة، ثم نقول ذهبت الأيام، وانقضت الشهور، واندرست الأعوام، ولم نحفظ شيئاً من القرآن، أو نستذكر شيئاً من السنة، نشكو جفوة أولادنا، ومشاكل زوجاتنا، أو العنف الأسري، نحن من صنع ذلك كله، بالبعد عنهم ومنهم، فلا نجلس معهم، ولا نسمع مشاكلهم، أو حتى نحاورهم، ثم يذهب أولادنا إلى غيرنا ليعرضوا مشاكلهم. ولا تعتذر بالمشاغل أو المناسبات؛ فهذا المشغول الأول عليه الصلاة والسلام كان يكون في شأن أهله يداعب (الحسن والحسين) مع أن عنده تسع زوجات، وهو رئيس الدولة والقاضي والواعظ، وقائد الجيش...

إذاً متى عسانا نخلو بربنا، ومتى عسانا نراجع أنفسنا، لقد كره البعض نفسه أن يجلس معها وإليها، أو أن يناقشها، أو يحاورها، أو يؤدبها، فهو يهرب في الحقيقة من نفسه وداره إلى جلسائه معتقداً أن البيت للنساء والصبيان، فتراه إن لم يكن له دورية، طلب كل اجتماع، وذهب إلى كل استراحة أو مناسبة فاراً من بيته باحثاً بحثاً حثيثاً عن الجلسات، متوهماً أنّ هذا تميز وميزة، وفخر واعتزاز، والحق أنّ البيت مأوى العظماء، والعلماء، والأدباء والخبراء.. بل حتى بعض النساء فعلن فعل الرجال، فتركن البيوت لشغالات يصنعن ما يردن مع أولادهن.

وهذا إمام العظماء الذي غيّر وجه التاريخ، وترك إرثاً عظيماً، وتحولاً كبيراً تتوارثه البشرية قرناً بعد قرن (محمد صلى الله عليه وسلم) الذي كان دائماً ما يكون في بيته، يصلي فيه النوافل ويكون مع زوجاته وفي شأنهن، ومع أطفاله (الحسن والحسين).

والبعض اليوم إذا ولج بيته ولم يجد زوجته وأولاده فر من بيته فرار الضأن من ذئب اشتد في طلبها، ثم يتصل بهذا وذاك وكأن البيت حرام عليه إلا أن يكون فيه أحد.

أخي صاحب الدوريات والجلسات ضع يدك على قلبك.

دقات قلب المرء قائلة له

إن الحياة دقائق وثواني

وأبلغ من هذا قوله سبحانه (وَالْعَصْرِ إِنَّ الإنسان لَفِي خُسْرٍ) (العصر). فربك يعظّم العصر (أي الوقت) وأنت تحقّره، فهو عند الله عظيم، وعندك حقير. ويقول الله لنبيه صلى الله عليه وسلم (فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ) (الشرح: 7-8). ولم يقل إذا فرغت فاذهب إلى أصحابك أو أصدقائك.

يقول سبحانه: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ..} (يونس: 45). {يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً} (الإسراء: 52)،{يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ عَشْراً} (طه: 103)، {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ} (الروم: 55)، {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ} (الأحقاف: 35)، {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا}(النازعات: 46).

فمن الغبن الفاحش أن نضيع أوقاتنا كل ليلة في الاستراحات، أو عند الابل، أو في المزارع.

فهل من تنظيم لأوقاتنا، ومعالجة لساعاتنا، وحدٍ من بعض اجتماعاتنا في الاستراحات أو المزارع، فمن الخطأ الكبير أن تكون أوقاتنا فوضى ننتظر صوت رنين جوال ينادي لاجتماع أو جلسة، أو سهرة.

نعمتان مغبون فيهما كثيرٌ من الناس (الصحة، والفراغ).وإلى اللقاء..

fh3300@hotmail.com

 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد