Al Jazirah NewsPaper Friday  07/08/2009 G Issue 13462
الجمعة 16 شعبان 1430   العدد  13462

حائل.. ذكرى وذاكرة
محمد حمد البشيت

 

ذكرى المكان والزمان شيئان لا يمكن للإنسان نسيانهما مهما بلغ من العمر عتيا.. وأن نأت به الحياة بعيدا عن مكانه وزمانه، فإن (الذاكرة) كفيلة في استدعاء صور وحكايات استذكار حياة (الطفولة) البريئة.. ناهيك عن مرحلة (الشباب) التي تأصلت في أطوارها كل هذه الصور والمشاهد منقوشة في تلابيب (الذاكرة) والتي كلما استدعت (الذكرى) لها شيئا من هذا القبيل، أتت زاخرة بارزة على شاشة (الذاكرة) بكل ألقها وتألقها وتفاصيلها الدقيقة واضحة المعالم ناصعة ا لرؤية صادقة دون تشويه.. تضاهي في مفعولها الذهني الساحر، فيلما (سينمائيا) رائعا أجتاز مقص (الرقيب) بعد أن غافله بحذاقة ومفهوميه منتجه ومخرجه، ليأتي (الفيلم) هالة ومهالة أستحسن رضا الجمهور المشاهد، لما حمله من قيم وعادات جميلة أسبغ عليها سمة التجديد والابتكار.. فكان الإنسان هو المفيد والمستفيد من هذا العمل الفني ا لفكري الرائع!!

فالإنسان في ذاكرته الخصبة الثرية هو (الرقيب) الحسيب على (ذاته) فهو يمتلك بذاكرته الفطنة النزيهة، أحقية فن الإنتاج وفن الإخراج، في التعديل والتبديل في معلومات (ذاكرته) في عملية (المونتاج) الذهني ويطبق ما يحلو له ويحله له (ضميره) بارتياح في التحكم بهذه الصور والمشاهد والآراء الذهنية، ليأتي كل ذلك من واقع ما جسدته ذاكرته من ذكريات ليجسدها بدوره لنا من ذلك (الحكي) الصادق المروي التي يرويه عن قريته أو مدينته، حينما يتناولها ب(قلمه) وكثيرا ما قرأنا ذلك عبر قصة أو رواية أو مقالة، وقد أتى كاتبها على ذكرى قريته أو مدينته تلميحا وليس تصريحا .. فأن القرية كانت في البدء هي المكان الخصب المؤثر في القصة أو الرواية، والمشاهد والشواهد كثيرة، في عالم القصة والرواية، فهي الغرس الأدبي الخلاق، في - فن الحياة فن الكتابة - وفق المؤثرات الاجتماعية من الطفولة للكهولة!!

حائل.. وهي (مدينتي) لم يستطع زمن الغربة التي دامت خمسة وعشرون عاما ونيف،من محرم (1404هجريه، حتى كتابة هذه المقالة) حيث لا يصدق بعض أصدقائي هذه المدة، وقد مرت هذه السنوات كسحابة صيف، كانت مفعمة بالدراسة والتدريب على رأس العمل، أقول أن زمن الغربة لم يتجاسر محوها من (الذاكرة) رغم مشاغل الحياة الجمة وتعدي مرحلة الشباب، فضلا عن الكهولة،وهي محطة النسيان للإنسان من أقرب المقربين إليه.. ولكن لا بد من الحميمة والتواصل فمن هذا المنطلق كان لزاما علي بهذا الموسم الصيفي - أن (أهاجر) لبعض الوقت من الساحل الغربي - من عروس البحر الأحمر جده - للطرف الشمالي الغربي - عروس الشمال حائل - وهذه ليست بمثل - موسم الهجرة للشمال - للراحل الطيب صالح،رحمه الله.. ولكنها (هجرة) مؤقتة للترويح عن النفس بعيدا عن الكلل والملل.. والتي تكاد النفس أن تتكلس، وأذن، فما علي إلا أن أستلم الطريق خلف مقود سيارتي أو بواسطة الطائرة،رغم خوفي من ركوب الطائرة وقد كنت موظف شركة طيران .. ولكن هذا ما حصل..

كانت الطائرة وهي MDN-90 تجري عملية اكتمال الركاب في مقاعدها في رحلتها المتجهة جدة - حائل - فكنت من بين ركابها المسافرين، في رحلتي لكسر (عزلة) الغربة لزيارة مدينتي، فكان من الشيء المألوف قرأت معالم وجوه الركاب الجالسين والعابرين للممرات داخل الطائرة، وقد أخذ باهتمامي كلية لكي أتعرف على البعض منهم، ولم تفلح المحاولة.. وعند وصولنا لمطار حائل الإقليمي، هكذا - اللوحة - تقول، وجثت الطائرة على مدرج المطار ونزل الركاب منها، امتلكتني حالة من الرهبة داخل الصالة، فلم أعرف أحدا من زملائي القدامى العاملين - بالسعودية - فالوجوه البشوشة جديدة وحتى ردهات المطار قد تغيرت كثيرا علي، وأن شئت فقل هذا ليس بمقياس في تغير حال المدينة كلية وقد انسلخت عن ماضيها التليد0

في الطريق من المطار لداخل المدينة كنت استشرف معالمها والتفت يمنة ويسرى وأكد ذاكرتي في استذكار بعض معالم الطرق الغريبة علي .. وأركض في كل الاتجاهات حيث الشفاء والمصيف وصبابة وعقده ومشار والرعيلة والسفن وجانين ويا طب و(توارن) وهي مرقد علامة الكرم العربي (حاتم الطائي) حيث (قبره) الذي مر به الرحالة الأوربيون وكتبوا عنه وهم (جورج أوغست والن) و(وليام جيفورد بلغريف) و(كارول غوارماني) و(تشارلز داوتي)، حسبما ذكر في كتب (الرحالة الأوربيون في شمال وسط الجزيرة العربية- منطقة حائل - من عام1845- 1921م) والكتاب من منشورات دار (برزان) للدكتور عوض البادي.. ومن تجوالي أعود أدراجي، حيث المنتزه بغربيه وشرقيه والسويفله وبرزان وأعيرف.. وبير (سماح) الذي كان مصدر الثروة المائية للمدينة.. تلاه بعد ذلك مشروع مياه (الحميمة) وهاهي -جمعية الثقافة والفنون - وهاهو النادي الأدبي، وتلك - المكاتب الصحفية - بكثرة، وقد كانت- مؤسسة الجزيرة للصحافة والنشر، أول من أفتتح مكتبا لها بحائل، فكنت أتولى مهام القيام بشؤونه آنذاك.. تلاها مؤسسة اليمامة الصحفية، وتوالت بعد ذلك - المكاتب الصحفية - وشيدت معاهد الحاسب الآلي ومعاهد اللغات، والتي لم تكن موجودة من قبل- فما على المضطر لدراسة اللغة- الانجليزية، إلا إحضار مدرس خصوصي لتعذر وجدود المعاهد التعليمة للغة آنذاك.. وتعرفت على أماكن من الأماكن الجديدة والقديمة التي لا عهد لي بها، فبضعة أيام بلياليها ليست كافية في الركض بكل اتجاه!!

وكأني في تجوالي على أحياء وشوارع وجبال وهضاب وشعاب المدينة.. كأن الذكرى والذاكرة أكاد أسمعهما وهما تتناجيان ليتحدان في عمل (فلتره) ذهنية حديثة لنسخ ورسخ مفاهيم جديدة في كل شيء للمكان والزمان وناس المدينة حائل التي - يحتضناها جبلي أجاء وسلمى، واللذين بدورهما يحدثاني عن التاريخ الموغل في الزمن الغابر.. زمن (المدينة) القديمة حيث بيوت الطين والشوارع الرئيسية الترابية، القليلة المتناثرة بعشوائية والتي لم تنل نصيبها من التطوير والتنوير فبقت جامدة على حالها سنوات طوال مثلها كمثل (القرى) المحيطة بها، ولأهناك فرق بينهما، إلا لكون قراها تتمتع بالمزارع وتسوق منتجاتها الزراعية لها مثل النقرة وقفار وعقده والنصية والجثامية وغيرها .. من القرى الزراعية البعيدة التي تجلب منتجاتها الزراعية رغم بعد المسافة وطرقها الوعرة، فقد كانت هذه القرى، مصدر ثروة زراعية للمدينة، من تمور وخضار وفواكهه، فكان الفلاح الحايلي، سعيدا بمزرعته وهو يروي مزروعاته بالمياه الوافرة التي تضخها مكائن (البلاكستون) وحينما بدأ شح المياه عمل المزارعين على حفر أبار ارتوازية عميقة،لري مزارعهم، نتيجة قلة تساقط ألأمطار فهناك مزارع بقرى جفت مياه الأرض وصار من المتعذر سقيا هذه المزروعات فماتت على عروشها وهجرها الكثير وأرتحل البعض منهم للمدينة.. وعمل القليل منهم بالوظيفة والبعض الأخر تفرقوا في أصقاع الأرض، وحين بدأت - هوجة - البنك العقاري - توسعت وتطورت المدينة ونالت بعض ما نالها من مشاريع تنموية بعدما تأخرت كثيرا، فبدأت هناك حركة عمرانية وتعليمة وتجارية ملموسة.. انتعشت المدينة وتوسعت الرقعة السكانية،وأنشئت الشقق الفندقية، وخلقت موسم سياحي صيفي في كل عام ممثلة بمهرجانات - المغواة - بمشار - ورالي حائل - وغيرها، والذي لم يحالفني الحظ في حضور ولو واحدا منهما.

حائل.. لازالت كما كانت عليه وستبقى إلى ما شاء الله، من حيث العادات والتقاليد (الموروثة) حاولت جهدي أن أتخلص من دعوات الأهل والأصدقاء لموجبات غداء أو عشاء، ولكن محاولاتي فشلت، فأما أن تأتي للمضيف بمنزله لتنال ضيافتك، أو سيحمل أليك ضيافته في مكان أقامتك، اثنتان لا ثالثة لهما.. أما الاعتذار فيعني - المقاطعة -!!

حائل .. وقد رأيتها أخيرا فقد تبدلت كلية، فقد خلعت عنها ردائها القاتم السمل، وارتدت وشاح عصري ذهبي مطرز محاك بعناية فائقة تفوق الوصف فيما رأيته هناك،من مشاريع عمرانية وحركة تجارية وعلمية وثقافية،ووفود سياحية محلية تجوب معالم المنطقة، وكأني أحدهم اركض في كل اتجاه.. ومابين التجوال وترديد الموال للراحل (طلال مداح) في أغنيته حيث يقول بها..

حائل ربى الشادي

يا نرجس الكادي

من بين أجا وسلمى

جنة ربيع الماء

هذا وقد سرني كما سر الكثير من أهل المنطقة التغطية الرائعة التي تقوم به صحيفة (الجزيرة) عن مهرجان حائل، موالية إصدارها الجميل عن كل ما من شأنه من احتفال كمهرجان (المغواة) و(رالي) وغيرها،وهذا ما دأبت عليه الصحيفة (الجزيرة) من أولى مساهمتها في أنشاء مكتبها بحائل.. فتحية أزجيها للأخوة بمكتب مؤسسة الجزيرة للصحافة والطباعة والنشر بحائل.

عدت- لجدة - يا سادة يا كرام والنفس شرهة بالبقاء بضعة أيام أخرى لاستنشاق الهواء العليل والأجواء المؤنسة.. إلا أن الظروف كانت اقوي من استمرارية الزيارة الخاطفة، رغم ما عانيته من كرم الضيافة، لحد التخمة من أكل، اللحوم والجريش والمرقوق والقرصان والإيدامات ذات النكهة النجدية اللذيذة والمغرية لفتح الشهية، والحقيقة أنني لم أستطع الممانعة عن هذه الوجبات التي مضى دون الإتيان عليها وتذوقها سنوات طويلة خلت.. وكل عام والجميع بخير بمناسبة قرب قدوم رمضان الكريم!!

- جدة


 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد