التكيف في أبسط تعريفاته هو في رأيي ترويض النفس على قبول وضع لم تكن لترضاه لولا حتمية هذا التكيف للبقاء، وهو احتمال ما لا يمكن احتماله بأثر منطقي يفرض تنازلاً من أجل التوفيق ما يعني تعديل البناء النفسي أو السلوك تماشياً مع شركاء أو خبرات أو ظروف محيطة، ويمكن أن نقول إنه اصطبار الأريب - لا صبره - على ما لا يمكن تغييره في القريب.
|
وقد استعار علم النفس المفهوم البيولوجي للتكيف والذي أطلق عليه علماء البيولوجيا مصطلح تلاؤم أو توافق Adaptation، واستخدم في المجال النفسي الاجتماعي تحت مصطلح تكيف Adjustment، وذلك حين نقل (آدلر) فكرة التكيف من الحياة إلى النفس. وقد أكدت ملاحظاته ودراساته أن الوظائف النفسية تتآزر وتتعاون - كما هي أجهزة الجسم وأعضائه - في خدمة التكيف فالذاكرة مثلاً تتعاون مع المخيلة والانتباه ينشط الإدراك في سبيل تمكين الفرد الإنساني من التفاهم مع العالم الخارجي متوافقاً مع بيئة هذا الفرد ومع متطلبات دوافعه عبر عملية متفاعلة ومستمرة (ديناميكية) يمارسها الفرد شعورياً أحياناً و لا شعورياً في أحيان أخرى.
|
ومنه تكيف الطفل مع المدرسة وتكيف الطالب الجامعي مع جامعته وأساليب التعلم والتقويم فيها، وتكيفنا مع المناخ وتكيف المنكوبين مع الكوارث أو الحروب وآثارها، وتكيف المريض وتعايشه مع مرض أصابه، وتكيف الموظف مع زملائه وبيئة عمله وهناك التكيف الاجتماعي وهو قبول قيم وعادات المجتمع والتعايش معها، على أن التكيف ليس محموداً على إطلاقه بل إن (سوء التكيف) ورفضه قد يكون بداية انطلاقة جديدة وتغيير مطلوب والتاريخ يزخر بقصص تبرز ذلك لعل على رأسها قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام مع أبيه وقومه.
|
والتكيف المقصود كنز الأذكياء والمتعقلنين وهو بلا أدنى شك ليس غاية في ذاته بل وسيلة للعبور إلى وضع أكثر ملائمة يتم استشرافه والتخطيط له مراعين كافة الظروف والعلاقات المحيطة ومستويات التأثر والتأثير بها، منتقلين من التكيف النفسي مع ذواتهم ابتداءً إلى التكيف الاجتماعي المرام وسط نسبية مقبولة لا تدعي بلوغ الكمال في حين تتطلب مقداراً من الجهد يتناسب عكسياً مع درجة ثقتهم العالية بأنفسهم.
|
وفي حين تتباين مستويات تكيف الفرد ارتفاعاً وانخفاضاً، فإن لمن يتمتع بمستوى تكيف عالٍ سمات شخصية وسلوكية (1) يمكن ملاحظتها عليه منها:
|
* يختلف مع الآخرين دون أن يفترق عنهم.
|
* يتمتع بقدر معقول من الرضى تجاه ما حوله ومن حوله.
|
* متفائل إجمالاً ولديه استعداد جيد لتجريب الجديد.
|
* يحترم رغبات الآخرين ويطلب منهم المساعدة حين اللزوم.
|
* يصغى لغيره ولا ينسى مقاييسه.
|
* يملك الشجاعة ليدافع عن نفسه.
|
* يقدر جهود العاملين معه.
|
* يجتهد في تغيير السلبيات ويميل إلى تحييد أثرها عليه.
|
* يملك علاقات إيجابية متميزة ويحافظ عليها.
|
* تحكم تفسيراته إيجاد الأعذار للآخرين لا التشكيك بهم.
|
* ليس ممن تهبط همته وإن ظهرت مؤشرات تخالف توقعاته وتبتعد به عن هدفه قليلاً.
|
* لا يمعن في التشكي وذم الأحوال كما يفعل البعض وصولاً إلى اليأس من إصلاحها.
|
وفي حالات خاصة يصعب التكيف حد الاستحالة كما هو الحال مع قيس بن الملوح مع ليلاه، واقرأوا إن شئتم شدوه:
|
إليكَ عَنِّيَ إنِّي هائِمٌ وَصِبٌ |
أمَا تَرَى الْجِسْمَ قد أودَى به الْعَطَبُ |
لِلّه قلبِيَ ماذا قد أُتِيحَ له |
حر الصبابة والأوجاع والوصب |
ضاقت علي بلاد الله ما رحبت |
يا للرجال فهل في الأرض مضطرب |
البين يؤلمني والشوق يجرحني |
والدار نازحة والشمل منشعب |
الهوامش - (1) منقولة بتصرف |
- عنيزة |
|