بمناسبة مرور سبعين عاماً على تأسيس دار التوحيد يطيب لي الحديث عن هذه المدرسة العريقة وأن دار التوحيد نموذج فريد لريادة الملك عبدالعزيز التعليمية في خدمة القضاء والتعليم، وأن اسم هذه المدرسة أطلقه الملك عبدالعزيز -رحمه الله- وأشرف على تأسيسها سنة 1364هـ وربطها بالديوان الملكي لتحظى باهتمامه وسعى إلى تسميتها بدار التوحيد انطلاقاً بإيمانه بالعقيدة الصحيحة ليكون دافعاً قوياً لأولياء أمور الطلبة لإلحاق أبنائهم بها إدراكاً منه بأهمية العلم وحاجة أفراد المجتمع إليه.
وقد كلف علامة الشام محمد بهجت البيطار لتنفيذ الفكرة واختيار المكان الملائم فوقع الاختيار على مدينة الطائف ويسرني بمناسبة مرور سبعين عاماً على إنشائها إبراز دور منبر من منابر العلم والمعرفة في بلادنا وكانت نواة للتعليم الجامعي وساهمت في خدمة العلم وهي نموذج بارز لريادة الملك عبدالعزيز في خدمة القضاء والدعوة في إطار ريادته التعليمية بجوانبها المتعددة، وكانت الدار فاتحة تطور هام في نظام التعليم الثانوي، كما أنها فتحت الطريق للتعليم العالي فمهدت لتأسيس كلية الشريعة عام 1369هـ وأصبحت تجربة تعليمية متميزة بمناهجها وبطرق التدريس فيها، وقد خرجت أعداداً كبيرة من القضاة والمعلمين والأدباء والكتاب والشعراء والباحثين الذين شغلوا مناصب قيادية عليا في مؤسسات الدولة.
وتبقى الذكريات عن هذه المدرسة محفورة في أعماق الوجدان وخلجات الإحساس، وكل فرد في هذه الحياة لابد له من ذكريات في أي ناحية من نواحيها العلمية والاجتماعية والفكرية هي حصيلة تجارب وصور مفعمة بالمواقف والوقائع والأحداث تجسد تاريخاً ومنعطفاً بالحياة.. من أجل هذا أجدني سعيداً أني تلقيت بداية تعليمي في دار التوحيد الذي أمدني بكثير من الوسائل والغايات التي بدأت أتطلع إليها، ودار التوحيد وحدها تنفرد باسمها الذي كان تعبيراً عن فكر الملك عبدالعزيز - رحمه الله- والذي أقام دولته على التوحيد وكانت من أول تجارب الملك التربوية وأبرزها، وكانت بداية لتطوير مهم في نظام التعليم الثانوي، لقد كانت هذه المدرسة ظاهرة تربوية فريدة بما فيها من أساتذة وطرق تدريس ولمحفلها الثقافي حيث إن موقع الطائف كمصيف جعلها موضع اهتمام الأدباء والعلماء والشعراء ومحط رحالهم في فصل الصيف، فالموقع الجغرافي والجو الجميل والتراث العلمي والأدبي كل ذلك جعل من الطائف مكاناً مناسباً لإنشاء مدرسة دار التوحيد.
ولالتحاقي بدار التوحيد قصة فقد حصلت على الشهادة الابتدائية عام 1370هـ وذهبت إلى مكة المكرمة وقابلت الشيخ محمد بن مانع مدير المعارف العام - رحمه الله- حيث كنت أود الالتحاق بتحضير البعثات فأجرى لي الشيخ ابن مانع مقابلة وطرح علي أسئلة متنوعة كان آخرها متى يجوز الابتداء بالنكرة وكنت أحفظ بعض أبواب ألفية ابن مالك فكنت أجيبه بأبيات منها، وقلت جواباً عن سؤاله الأخير:
ولا يجوز الابتداء بالنكرة
ما لم تفد كعند زيد نمرة
فوجهني بعد ذلك إلى مدرسة دار التوحيد وهكذا فمازالت الصورة الجميلة في نفسي لهذه المدرسة باقية وبالله التوفيق.