Al Jazirah NewsPaper Thursday  27/08/2009 G Issue 13482
الخميس 06 رمضان 1430   العدد  13482
نوافذ (3)
ولي أمري... يحترم قدري
أميمة الخميس

 

جملة (ولي أمر أدرى بأمري) تفوح منها رائحة الأيديولوجيا بشكل واضح، ويؤطرها الطرح الصحوي بشكل لا يخفى على المتأمل عن كثب، وبالتالي تصبح شكلا مواربا لأشكال التدافع بين التيارات المتباينة في المجتمع، للاستئثار بمساحة أكبر من الرأي العام، وأيضا بهدف الاستحواذ على مكتسبات حققتها المرأة المحلية عبر السنوات الماضية وتقليصها والحد من جعلها نقطة انطلاق مستقبلي.

لن أنهض من مكاني وأفتش في الملفات والأرشيف، وأعمل البحث وأتقصى عن حالة اختراق وتهاون في حق الولاية ومسؤوليتها فالنماذج تطفح حولنا هنا وهناك، فقط سأمد يدي وألتقط أول حالة تمر بي في ممرات العمل، عاملة ستينية تشارف على سن التقاعد، أرملة وتعيل ثلاثة من أحفادها بعد أن توفيت ابنتها، أبو الأطفال لديه العديد من النساء وبيت يزدحم بالطلبات والحاجة المتخاطفة بين أكوام الأطفال والوضع المستور، يرفض المساعدة (المادية) ويهدد بضمهم كي يربوا بين نسائه، الأرملة تشفق على طفولتهم من نساء الأب فتصمت، لا يعرفون من الأب سوى بطاقة العائلة يرسلها كي يأخذوا صورة منها عند دخولهم للمدارس، ويعيدونها له، وسيمضون في مختلف مراحلهم المدرسية وعلاقاتهم مع والدهم تنحسر في صورة.

فهل يدري هذا الرجل حق الولاية؟ هل ولي أمري أدرى بأمري؟

طبيعة الحياة المتشابكة المعقدة المتعددة التجليات، تستعصي أن نحصرها في المطلق والنهائي، ونفرض عليها طروحات فوقية مثالية أحادية الرؤيا، في ظل التفاوت الكبير بين أنماط البشر وتكوينهم وخلفياتهم.

فعلى سبيل المثال خرج العديد من الفقهاء منهم القرضاوي آية الولاية في القرآن الكريم قوله تعالى: (الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض. وبما أنفقوا من أموالهم) (سورة النساء) فقوله: (بما أنفقوا من أموالهم) يدلنا على أن المراد القوامة على الأسرة. وهي الدرجة التي منحت للرجال في قوله تعالى: (ولهن مثل الذي عليهم بالمعروف وللرجال عليهن درجة) (سورة البقرة). فتصبح عندها نفقة الأموال كشرط للولاية، فإذا تهاون بها تسقط ولايته وتنتقل إما إلى القاضي أو صاحب الولاية العامة، وهو ما يوازي المؤسسات الاجتماعية والخيرية في عصرنا الحديث.

ومن هنا يعاد طرح أهمية وجود قوانين الأحوال الشخصية الخاصة بالمرأة خصوصا والعائلة على وجه العموم، وإن لم يكن هناك قوانين تأخذ على يد المتهاون والمتسيب وعديم الخوف من الله، فسيبقى الأمر مهدرا لكثير من حقوق النساء المغلوبات على أمرهن.

جملة ولي أمري أدري بأمري في مضمونها تقترب من الطرفة أو الكوميديا السوداء، فبعد ما يزيد على نصف قرن من تعليم وتأهيل النساء لدينا، وبعد جهود مضنية لتمكينهن واستثمارهن كطاقات إبداعية واقتصادية الوطن في أمس الحاجة لهن، نسمع هذا الثغاء يتصعد من حولنا، سالبا المرأة وعيها وأرادتها وكرامتها الإنسانية التي هي جزء من التكليف الإلهي، وحق من حقوقها ككائن اجتماعي له حيز فاعل ومطالب بالحقوق والواجبات..... وما لم يحترم ولي أمري قدري، ويعي دوري الحيوي المحوري في إعمار هذا الكون، فسنبقى نراوح في حلقات مفرغة تعيدنا وتفضي بنا دوما لنقطة البداية.




 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد