لأول مرة أصوم رمضان بعيداً عن الوطن، ولا شك أن أشياء كثيرة ستتغير وتختلف.. لأن رمضان في ذاكرتي مرتبط بكثير من العادات..
الاختلافات التي سأعيشها في هذا الشهر كبيرة حد التضاد، لكنها تجربة جديرة بأن أتقصَّى من خلالها إجابة لسؤال طالما طرحه الواعظ ترغيبا في الارتباط بالدين ارتباطا روحيا حقا، وطرحه المفكر بحثا عن القيمة الحقيقية للممارسة وبرجماتيتها، وطرحه آخرون لمآرب أخرى..
لكني هنا أطرحه من على محكٍّ وفي ثغر..
هل القيمة الحقيقية مازالت تأخذ ألقها من مصدرها وذاتها أم من الممارسات المحاطة بها والمتوارثة عمن سبقنا؟
في نقاش بيني وبين بعض الرفاق عن المشهد الأول الذي يتراءى لك حين يذكر رمضان، كانت الإجابات متفاوتة بين من ربطها بقيم دينية وآخر بقيم اجتماعية عائلية، وثالث إلى قيم فنية درامية، وغير هؤلاء ممن جعل صديقي الصيني يعيد عليَّ سؤاله: هل حقا لا تأكلون ولا تشربون؟ لأن إجابات قد أصابته بالحيرة حين سمع أحدهم يصف أصناف الطعام وأنواعه وأشكاله وارتباطها العميق بهذا الشهر..
هذا الفتى من الصين، طالما سألني عن رمضان وطقوسه ومغزاها ومعناها؛ وإن كانت كل أسئلته تحمل نواحي سلبية في تأثير الصوم على الصحة العامة، وما الداعي لحرمان النفس من لذاتها وشهواتها، وقد كنت أجيبه إجابة تعطي العناوين الكبرى لقيمة الصوم العظمى في اعتناقنا للصبر وتذكرنا للفقير واستشعارنا بحاجة الآخر لعطفنا ومساعدتنا؛ لكني وبحق لو أطلت النقاش معه لبانت ضحالة معلوماتي حول قيمة نعدها من القيم العظمى والمناسبات التي نودعها لننتظر قدومها متضرعين لله أن يبلغنا إياها.. وفهمي هنا، لا أقصد به الجانب الشرعي، فأظنني أعرف منه ما يقيم فرضي ويتيح لي التخاطب مع من يعرف ديني ويعتنقه، لكن القصور في المعلومة يكمن في قلة معرفتي بالقيمة كقيمة شرعها الله من نواح يعيها العقل الآخر والثقافة الأخرى، وهي جوانب تأتي بالاستناد على البحث في النواحي الصحية والاجتماعية والنفسية وغيرها؛ كي تعطي الجوانب متكاملة وواضحة لفهم الآخر ونظرته، خصوصاً ونحن نعيش زمنا يسمنا بصفات أبعد ما تكون عن ديننا كدين.. لكنا قد أسهمنا في تعزيزها وتبرير وجودها كأشخاص.
سألت نفسي السؤال الذي يجب أن يسأله كل منكم: ما ثقافتنا حول قيمنا؟ وهل نعي حقا ونحيط كل جوانبها كي نستشعرها؟
سؤال فرضه علي موقف البعد عن كثير من ممارساتنا في رمضان.. أتمنى أن يقترب من أذهانكم وأنتم بين أهليكم، فثقافتنا حول قيمنا واستشعارنا الحقيقي لذاتها ومكنونها أمر ملح في زمن لو سألت أحدهم ما رمضان؟ لسمَّى لك مسلسلاً من مسلسلاته.!!.
almdwah@hotmail.com