Al Jazirah NewsPaper Sunday  30/08/2009 G Issue 13485
الأحد 09 رمضان 1430   العدد  13485
خطباء وأئمة المساجد ودورهم في تنمية المجتمع
مندل عبد الله القباع

إن مفهوم (ثقافة المجتمع) كمصطلح علمي خضع لما يربو على مئتي تعريف، ودون الدخول في معزل المعاني والمصطلحات المتعددة، فسوف أجنح تجاه علماء الأنثريولوجيا الاجتماعية لارتباطها بمهنة كاتب المقال وخبرته وواقعه الوظيفي، ويجمعه هذا مع المشتغلين بعمليات الاتصال والتربية والتعليم.

ففي رأي علماء الأنثريولوجي أن ثقافة المجتمع تشمل الشخصية الإنسانية بجانبيها الفردي والجمعي كما تشتمل على عناصر عدة من أهمها: (المعرفة - العقائد - الفنون - الأخلاق - التقاليد - العادات - النظم والقوانين) وما يكتسبه الفرد باعتباره عضواً - فاعلاً - في المجتمع، وربما يسود هذا المجتمع من أفكار وآراء.

كما تشتمل الثقافة على ما يكتسبه الفرد من أنماط سلوكية يشارك فيها أعضاء المجتمع لأن كل عنصر من عناصر الثقافة يتضمن سلوكاً.

وينبني الكيان الثقافي على محصلة عناصر الثقافة داخل المجتمع، ومن دون أن يطغى عنصر على الآخر فيضعف الانسجام، وقد يتبدل عنصر دون الآخر، وقد يتبدل عنصر في جانبه المادي (التقدم التكنولوجي) ويتسارع حركته عن الجانب المعنوي للثقافة فيؤدي إلى ما يطلق عليه الفراغ الثقافي، ينتج عنها اهتزاز الجهاز القيمي والمفاهيمي ويصاحبه ظواهر اللا سواء السلوكي، وعدم التوازن في طرائق الحياة، غير أننا لا نستطيع أن نضع خطاً فاصلاً بين ما هو مادي وما هو معنوي لتولفهما وتأثير كل منهما في الآخر والثقافة ليست جامدة لكنها متغيرة في عناصرها، ويشتريها الفرد من بيئته الثقافية عبر مؤسسات ثقافية متعددة منها البيئة الاجتماعية والمدرسة والمسجد ومراكز الشباب وجماعات اللعب. ونضرب مثلاً لمؤسسة هامة ذات أثر بالغ في تشكيل ثقافة المجتمع وهي المؤسسة الدينية - المسجد - فعن طريق المؤسسة الدينية يتم تشكيل طريقة تفكير الناس ومشاعرهم وضبط تصرفاتهم ومسلكياتهم وتوجهاتهم، وغرس القيم المرغوب فيها وتفنيد الظواهر السلبية، وعن مهام المسجد أيضاً التربية الشاملة من تعليم وتأهيل وتهذيب وتثقيف وتعلم للخير، وتعلم التراث العربي والإسلامي وإبراز ما يشتمل عليه من قيم دينية واجتماعية وثقافية وأخلاقية.

وهذا يوضح دور المسجد في فعل ثقافة المجتمع وقيمه وعاداته وتقاليده ومن الحقائق التي لا مرية فيها أنه قوة الدور الذي يضطلع به المسجد يعزز من قوة المجتمع، وفي نفس الوقت فإن أمن المجتمع الفكري والاجتماعي وبناءه التربوي وتقدمه العلمي يتوقف بدرجة كبيرة على مدى تقدم المجتمع كأحد الأنساق المكونة للبناء الاجتماعي الكلي. كما يمكن للمجتمع أن تتحقق سعادته إذا قام كل نسق من أنساقه بأداء دوره المنوط به وسلك أفراده والقائمون عليه السلوك المناسب.

وهذا يعني أن الأفراد بصورة أساسية ملتزمون بطلعتهم للمؤسسة الدينية التي تمدهم بالحماية المعنوية في مواجهتهم للتحديات المادية، ويدعم هذا المنحى ما يضمه تراثنا الثقافي والحضاري من أدبيات تبرز الدور الريادي للمسجد، فهو يحتل قيمة أساسية في الثقافة العربية كونه مركزاً للتفقه في الدين والتعليم والتوجيه فضلاً عن كونه مهتماً بمعالجة مشاكل المجتمع من خلال خطب الجمعة، وحلقات الوعظ والإرشاد ومزاولة أعمال البر.

هذه المهام في أداء الدور يضطلع بها إمام المسجد مدعوماً بثقته بالله عز وجل ثم الثقة بالذات التي لا تتأكد ولا ترقى في سلم العلياء إلا بالعلم والتزود بالمعرفة الحديثة ليتمكن من الإلمام بقضايا العصر وإمكانات التصدي لها بالنقد العلمي المحايد، والوقوف على كل من التيارات الفلسفية والنظريات الاجتماعية، فليست مهمة الإمام قاصرة على إحياء السنة وإماتة البدعة، بل عليه وهو يقوم حقيقة الإسلام أنه يعتمد على فكر مبني على الوسطية، وحول منهجية الخطاب فيتوجب استهداف مصالح العباد لا بالتنفير ولا بالتهويل ولا بالترويع ولا بالتيئيس ولا بالضبابية المحزنة أو المثبطة أو الباعثة على الخوف والرعب والتوتر والاضطراب والقلق المرضي والألم النفسي وكره الذات وجلدها انتقاماً منها.

وفي هذا الصدد أذكر بقول ابن القيم: أن الشريعة وهي تنبني على معرفة الحق.. ومعرفة الدافع: فهي عدل كلها.. وقسط كلها.. ورحمة كلها.

ولذا فإن مهمة إمام المسجد لإبلاغ رسالته أن ييسر ولا يعسر، وأن يبشر ولا ينفر، وأن يدرك أننا مجتمع لم يكن منغلقاً يوماً ما بحيث يدير أمور البلاد في الداخل.. لا شأن له بما يحدث في الخارج، أبداً لم يكن هذا عهدنا وها هم علماؤنا يدركون أن ما يحدث بالخارج هو حاضر عندنا في التو واللحظة بفعل تكنولوجيا الإعلام، بمعنى آخر نقول إن الخارج معروض على بساط البحث والتأمل في الداخل - فلم يعد حدثاً بعيد المنال أو خافياً على أحد الآن.

لذا يجب أن تكون خطبة الإمام تناقش وتبحث ما يعانيه المجتمع من مشاكل وسلوك خارجة عن المألوف ومضادة للمجتمع حتى يكون أفراد المجتمع على علم ودراية بما يدور داخل مجتمعهم من أجل المساهمة في علاج كل ما يعتري المجتمع من مشاكل وسلوك مشين.

وإن الإمام الذي ينحى الواقع المعاصر في خطابه ينأى بعيداً عن ثورة المعلومات وعن متطلباتها من اكتساب مهارات مواجهة تحديات هذا الزمن الصعب، ويبعد عن سياق التواصل المباشر مع المجتمع وقضاياه، وظواهره الناتجة عن الحراك الاجتماعي المتسارع على الصعيد الداخلي والخارجي على المستوى العالمي (تحت مظلة العولمة) ونرى وجوباً على الإمام أن يشمل خطابه أمور الدين والدنيا فكما يحض الإسلام على العمل للآخرة، فإنه في ذات الوقت يحض على العمل من أجل الدنيا وتعميرها والارتقاء بها فليس ثمة آخرة بدون دنيا، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم حريصاً في دعائه أن يطلب من الله إصلاح دنياه وآخرته معاً.

ولذا يجب أن يشمل الخطاب الديني قضية الإنسان الذي أصابته العولمة في ثقافته وحضارته وتقاليده فكيف تكون علاقته بالدنيا وأمور الحياة فيها؟

والإسلام لم ينتزع الفرد من الدنيا حيث يقول سبحانه وتعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } ( 32) سورة الأعراف.

إذن القضية الأساسية في ذلك هي تمكين المسلمين ليعمروا الدنيا ولا ينعزلوا عنها خوفاً وفزعاً ورعباً وهذا هو دور المجتهد الذي يلم بقضايا مجتمعة ويتفهم قضايا المعاصرة، ويتعلق بالتراث ويتعمق فيه، مع معرفته بأحدث التيارات الفكرية (الأيديولوجية) التي دخلت بفعل العولمة وتكنولوجيا الاتصالات إلى العالم الإسلامي.

هكذا يراعي إمام المسجد في خطابه الديني هموم الأمة ومراعاة الظروف العالمية.




 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد