Al Jazirah NewsPaper Friday  04/09/2009 G Issue 13490
الجمعة 14 رمضان 1430   العدد  13490
الهمجيون!
رمضان جريدي العنزي

 

منذ أمد وأنا أدور في دائرة مغلقة محاولا الخروج منها، ومنذ أمد وأنا أحاول عبثا أن ارسم في الخيال مدارا اجتماعيا جميلا بلا فرشاة وبلا أدوات نحت، ومنذ أمد والأشياء في داخلي تزدحم بتنافر بلا هوادة, تتسلل إلى روحي كشموع ذابلة لا تغري،

ولا تصيب القلب بالتوهج، أحاول الاستفاقة، لكنني أجد نفسي دوما في بقعة اجتماعية معتمة لا اعرف لمقاييسها حدودا، بقعة رمادية لها خطورة وتلوث ودخان فاحم اللون ولها سخونة وضجيج وغازات سامة، إنني احب التحدث بواقعية بيضاء وبمسميات وسرد ناصع بعيدا عن الغموض والسرية والتأويلات القسرية، وبعيداً عن أعمال التجريب والخوض في كيمياء اللغة.

إن المطلع على الأخبار اليومية في صفحات الأحداث والجريمة سيصاب بالإحباط وبالمرارة وبالغثيان وبالتقيؤ وبالدوار، وهو يقرأ بلا عناء نصوص الجريمة مجسدة وفق سياقات تسهم في شحن واصابة الرأس بصداع مخيف تعجز عنه كل مضادات الألم عن إيقافه أو التخفيف منه، إن الجريمة المرتكبة ما هي إلا صراع نفسي مريض لشخصيات فهمت الحياة وفق منظور ضيق مفهوم الجشع والأنانية وحب التفرد والسطوة، فسلبت ونهبت واغتصب واختطفت، لقد أفسدوا طبع الحياة الجميل والفطرة السليمة، وأسقطوا الأشجار اليانعة، وازاحوا ألوان الطيف وأطفأوا ضوء الشموع النيرة بواقع وإرهاصات وهيمنة وسلوكيات غير سوية، إنهم هياكل تحيطها مفازات من الظلام بوجع معجون من خوف وهلع وارتباك، يسيرون بلا نجمة ولا هدى ولا قمر منير، غابت عنهم النخوة، لا خيل لهم تصهل فيما عيونهم غارقة بالوحشة وبالترقب، يتبعون السراب بأحلام وأوهام كاذبة، ما يفعلون سخام وما يقولون سخام وكل ما يرتكبون ويعملون به سخام في سخام، لهم ندوب سوداء حالكة ونياشين وقلائد خزي، وخضرة غير ناضجة، وصباحات مسمولة ولغة ميتة وضمائر غير حية، يئنون مثل ناي أعمى، في ريح صرصر عاتية، رماد هم وابار وحشة وبيد بوار، محترقين هم أينما تولوا ذاقوا العناء، رياحهم رعناء هوجاء ودماؤهم ملوثة بالخزي وبالعار تجلدهم البذاءة مثل حصان مريض يجلد بسوط عذاب، لهم جمر حارق وجلجلة وأصوات ونمو لكنه ليس كنمو السنبلة، يكرهون الحياة ويحبون الأضرحة، مسرحياتهم لها لون الفساد واصل المهزلة، لا يدرون أين يذهبون ولهم نظرات ذابلة، وعيون زائغة، لهم برك أسى وشطآن أحزان وشرود ذهن ونهايات بائسة، لا هدل لحمامهم، فرشهم لهب ونومهم خفيف مؤرق وأصواتهم مبحوحة ونمارقهم غير مصفوفة، أحلامهم لها ازدحام غير مشروع، خارجون من رحم الأكذوبة، لهم عظام رميم وجماجم حطام، وأجسادهم مليئة بالتراب، يخوضون الآثام تلو الآثام، نعوذ منهم برب الأنام ورب المقام، إن العمليات الإجرامية التي يقوم بها أفراد وجماعات العنف الوحشي والظلم والتخلف التي أدت إلى سفك دماء وسقوط أبرياء وترويع آمنين هم خارج دائرة التصنيف البشري والإنساني، وهم حالات مرضية خطيرة مشبوهة وأهواء مغرضة يجب الوقوف أمامها لمواجهتها بكل الإمكانات لإزالة هذا الشر والقضاء على هذه الظاهرة الدخيلة على مجتمعنا السعودي المسلم، إن تخويف المجتمع وإفزاعه وإرهابه من قبل فئات سوداوية غير مسؤولة وغير عقلانية يسلكون سبيل العنف والإرهاب المنظم والعشوائي ماديا ومعنويا وبطرق غير مشروعة عنفا وتهديدا وبث الرعب بين الناس، معرضين حياة الأبرياء للخطر لتحقيق أهداف ومآرب عفنة يعد عملا بغيضا غير مقبول، وانتهاكا لسلوك القواعد الأساسية لسلوك الإنسانية ومنافيا للشرائع السماوية وتجاوزا لحقوق الإنسان. إن مكافحة الجريمة بكل أطيافها المشينة يجب أن يكون ذا اتجاهات فكرية وعقائدية جماعية لا تخص فئة دون أخرى، ولا بد للوقوف جميعا بحزم أمام هذه الأعمال الجبانة والوحشية والقضاء على هذا الوباء المزعج المخيف، إن الجريمة أداة لتدمير الحضارة البشرية وتدمير الأشخاص المجرمين ذاتهم ومن حولهم بقلوب غير رحيمة وغير إنسانية وبعيدة عن القيم الحضارية، إن جماعات العنف الوحشي والتخلف يروعون الأبرياء ويزرعون الرعب في قلوبهم، ولذلك لا بد من التلاحم الواعي لصد هذا العدوان البربري الهمجي اللاإنساني ومحاربة عنفهم وإرهابهم ووحشيتهم وعدوانهم وسلوكهم المشين لبناء مجتمع أكثر سلاما وأكثر تسامحا وخاليا من الهمجية والهمجيين.



ramadan.alanazi@aliaf.com

 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد