Al Jazirah NewsPaper Sunday  04/10/2009 G Issue 13520
الأحد 15 شوال 1430   العدد  13520
نوافذ
توطين الحضارة
أميمة الخميس

 

توطين الحضارة والمدنية في أرجاء المكان هو أبرز التحديات التي تواجه دولتنا الفتية منذ عهد التأسيس، تبرز ملامح التوطين في خطوات متتالية ساعية إلى تجاوز مأزق البدائية وجميع مظاهر التخلف العلمي والحضاري الذي تئن تحت وطأته العديد من دول المنطقة.

وإن كانت الإرادة السياسية من اتساع الأفق بحيث اختارت أن تؤسس حواضن المشروع الحضاري في المكان كونها البوابة الأولى التي ستنتشل مشروع الدولة الحديثة من بئر التخلف والتصحر إلى مشارف المستقبل، فإنها من ناحية أخرى تلك الإرادة كانت تحدس بأن الدرب لن يكون سهلا وممهدا، وستحتشد أمام المسيرة كالعادة جميع العقبات والموانع المعهودة، والتي استطاعت إلى الآن أن تكبل أجنحة المشروع التنويري المحلي وتحجبه عن النهوض من مصير الرمل والتصحر.

ولكن في مفصل تاريخي للمنطقة وعت القيادة السياسية بأنه ما لم يكن هناك قرار سياسي حاسم وبهمة عالية تستعيد المكان من مختطفيه فإن العالم من حولنا لن ينتظرنا، وسنظل نراوح على هوامش وأطراف المدنية والحضارة عصوراً عديدة.

ولابد من تحرك عاجل وإسعافي في هذا الاتجاه، فالدولة بجميع تفاصيلها تعتمد على مورد ناضب وتتحكم في أسعاره الأسواق الدولية، ومعامل العالم بأسره تعمل بشكل دؤوب للحصول على بديل للنفط، وإن أغمضنا أعيننا أمام هذه التحديات وذهبنا في غفوة من الأحلام الوردية (للنعامة) ضيقة الأفق، وتخاذلنا أمام الموانع والحواجز التي تصنعها العقول المتحجرة التي كانت ضد مشروع الدولة الحديثة منذ نشأتها، فسنكتشف يوما في المستقبل القريب تلاشي كل مورد ونضوبه، وسنعلم وقتها بأننا لم نحسن إدارة و التعامل مع النعمة التي وهبنا الله إياها وشمل بها المكان وسكانه.

تمثل المملكة الواجهة الأولى للإسلام، فهي الرمز الروحي لمليار مسلم، فكم ستكون هذه الواجهة مضيئة ومدعاة للفخر إذا اكتشف العالم أنه على مسافة يسيرة من الحرمين، ينهض مشروع علمي حضاري شامخ يعكس صورة المسلم القوي المتحضر الذي توائم بين القوة الروحية والمادية وحلق شاهقا بجناح من دنيا وآخر من دين.

الأجيال القادمة ستحاسبنا بشدة حول الطريقة التي أدرنا واستثمرنا بها الموارد النفطية الهائلة، وعن المواضع التي أهدرت بها تلك الموارد ولنا أن نتخيل الآن على سبيل المثال لو أن الإرادة السياسية رضخت ولانت أمام الأصوات والتحركات الرافضة لتعليم النساء آنذاك، أي جريمة ستكون ارتكبت بحق الملايين من عالمات وطبيبات وإداريات و مبدعات الوطن؟

ستبقى تلك الأصوات ولن تختفي فهي تعبر عن تصورات تحجب الكرامة الإنسانية عن الإنسان وتنحدر به إلى مقام المخلوقات البدائية المشغولة بغرائزها ونزواتها وأقسامها السفلية، ولا تعي أن العلم هو المهذب والمرتقى الأول للغريزة، ومحاضن العلم كغرف العمليات معقمة دقيقة مقدسة للعقل والجسد البشري معا فسبحانه عالم بالغباء والقصور البشري عندما قال: (هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور) الرعد16.

ونحن اليوم أمام مفصل تاريخي نجد أن الإرادة الشعبية تشارك ركب القافلة الميمونة، ونفاخر العالم بجامعة (كاوست) مدركين أن الوقت لا ينتظرنا.. والأجيال القادمة لن تغفر لنا الليونة والتقاعس أمام أصوات لطالما كانت ضد التنوير وضد الكرامة الإنسانية... بل ضد الحياة برمتها.




 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد