في الكثير من المجالات يمكنك أن تختار أنموذجك أو قدوتك.. أن تختار ما يمكن أن تحاول أن تكونه، أو تقتفي أثره لتصل إلى ما وصل إليه أو توافقه، في مجال الاقتصاد والطب والرياضة مثلاً، وغير ذلك من المجالات الأخرى.. إلا في المجال الفني الكتابي.. وفي مجال الشعر بشكل خاص. في هذا المجال يجب أن تكون أنت وحدك، نفسك أو تجاهد من أجل أن تكون كذلك.. ومن المؤكد أنك لا بد أن تكون معجباً بشاعرية وعطاء شاعر ما - أو مجموعة شعراء - معجباً بأسلوبه وقدرته على جعلك معجباً به.
ولذلك لا مفر من أن تحتفي بقصائده وتحتفظ بها.. لكن يجب عليك كشاعر ألا يقودك ذلك الإعجاب إلى أن تجعل من ذلك الشاعر قدوة أو أنموذجاً لك في شعرك، لأنك لو فعلت ذلك ستجد نفسك صورة باهتة له، أو مجرد نسخة مكررة مشوهة لن يكون لها أثر.. وللابتعاد عن تجارب الآخرين من الشعراء الذين تحمل لهم إعجاباً خاصاً يلزمك نسيانهم بشكل مطلق عند الكتابة، لأن أي أثر لوجودهم في مخيلتك سيجعلك - وإن لا شعورياً- تكتب كما يكتبون، وتسير على جادتهم.. كيف تنساهم؟
أن الكثير من القصائد الجديدة التي نقرأها لبعض الشعراء الجدد نجد أنها تحمل الكثير من ملامح شعراء آخرين نعرفهم ونعرف شعرهم.. ومن المؤكد أنهم شعراؤهم المفضلون أو يحملون لهم إعجاباً كبيراً تملَّكهم حتى أصبحوا يقعون في أسرهم والبعض منهم تحمل قصائدهم ملامح شعراء كثر وليس شاعراً واحداً، إنها ملامح أساليبهم واستخداماتهم وطرائقهم.. ومن يأتون بأساليب الكثيرين كمن تفرق دمه بين القبائل!
ولأنه من الصعب تماثل أسلوب شاعر آخر متميز كما هو أو الكتابة كما يكتب تحديداً، فإن قصائد المقلدين تأتي كاستنساخ غير دقيق، ولذلك تظل غير مقنعة وغير مؤثرة مهما بدت جودتها الظاهرية، إذ إنك ترى بها ملامح شاعر آخر يكتب بشكل أعمق وأجمل، وهو الأصل.. والقارئ ليس بحاجة لهذه النسخة المكررة الهزيلة ما دام الأصل موجوداً.. لذلك لا بد أن يهمل الصورة ولذلك فإن القصائد المستنسخة لا تعيش طويلاً لأن القارئ سينساها بسرعة لأنها لا تحمل له أي مفاجأة أو دهشة، فالآن الأصل قد استنفد ذلك لديه!
إن الشاعر الموهوب وحده لا يحتاج لقدوة أو يتخذ نموذج اقتداء، فالشاعر كائن متمرد على كل الطرق المعبدة، وهو مغامر متهور.. وبالمزيد من مغامراته وتهوره المزيد من اكتشافاته الخيالية والمعرفية بل والحسية.. لا تضع في بالك التهورات المجانية التي لا تأتي بنتيجة.. كما أنه لا يحتاج لمدرسة شعر ولا لشهادة تثبت تخرجه منها..
الشاعر الموهوب وحده دائماً نبت خاص، يتنامى ويتسامق، وتتشكل أغصانه وأوراقه بطريقته الخاصة، وهو يسقي نفسه بنفسه، عبر احتراقاته، جنونه، تهوراته ويجب أن يحيا واقفاً، وقفته الخاصة به.
Mohemm-s @ gmail.com