Al Jazirah NewsPaper Sunday  25/10/2009 G Issue 13541
الأحد 06 ذو القعدة 1430   العدد  13541
رفقاً بشبابنا فهم أمانة في أعناقنا
إبراهيم المعطش

 

الشباب.. هذه الشريحة المهمة في كل المجتمعات، هم الغد المأمول، والأمل الهادف، وذخر الأمة واحتياطها الإستراتيجي، ولكن هل تجد فئة الشباب من العناية والتقدير ما تحتاج إليه فعلاً، وما يناسبها؟! ولماذا غالبية الناس يصبون عليهم جام غضبهم، لماذا يحمّلهم الناس مسؤولية الواقع المزري الذي تعيشه فئة كبيرة من الشباب، لماذا يحاولون الربط بينهم وبين الفشل، وكأن الشباب أرواح مجردة من المشاعر والمؤثرات، ولماذا نركز فقط على الجوانب السلبية فيهم، وجوانب التقصير، ولا نلتفت إلى التحديات التي تواجههم ولا إلى تقصيرنا (كمجتمع) تجاههم؟!

القضية أكبر مما يتصور أكثرنا، وهي تحتاج إلى نقاش، وإلى حلول واقعية وإلى نظرة موضوعية منصفة، لأننا حينما نقول (الشباب) فنحن نعني كل المستقبل نعني المجتمع القادم بما فيه من قادة الحياة بكل جوانبها، فكيف نهمل هذا الجيل ونضع اللوم عليه ونحن بذلك - في واقع الأمر - نلقي بمستقبل الجيل في البحر.

نحن الآن أمام صورة ذهنية شائهة للشباب تحتاج إلى تعديل، ويشارك في رسم هذه الصورة المشوهة المجتمع بنظرته التي لا ترتكز إلى استصحاب كل تحديات الشباب والظروف المحيطة به، وكذلك الإعلام بما يكرسه من مفاهيم سلبية بحق الشباب بقصد أو بغير قصد (المحصلة واحدة) والإعلام نقصد به - بالطبع - المرئي والمسموع والمقروء، وكذلك مخرجاته من دراما وفنون وبرامج، هؤلاء شركاء في صناعة الصورة الذهنية السالبة تجاه الشباب، لقد صورهم كل من شارك في صناعة واقعهم أنهم كسالى، ولا يحبون الأعمال التي تحتاج إلى جهد أو تعب، وأنهم غير منتجين، وغير قادرين على الاستمرار في العمل، وكلها اتهامات كاذبة وأوهام لا أساس لها من الصحة فقد أثبتت التجارب عكس ذلك تماما، ورأيناهم في الورش وفي المطاعم وفي شركات الصيانة ومهندسين وأطباء في مواقع عمل لا يصبر عليها إلا (الرجال)، ولا أدلّ على ذلك من وقفتهم الصلبة في خدمة ضيوف الرحمن بأخلاق رفيعة وروح إنسانية وخبرة عالية لفتت أنظار الآخرين.

ومهما كبر الشاب ونضج يظل في حاجة إلى الحب والحنان والشفافية والرحمة والنظرة الحانية، وكذلك يحتاج إلى الثقة وتحمل المسؤولية، فالقسوة والشدة والتوجس تجاههم تفرغهم من شحنات التوثب لتحمل المسؤولية، وكذلك عدم الثقة والخوف منهم وعليهم وتقودهم إلى التمرد ضد كوابح المجتمع وقوانينه الصارمة وإلى تحديها عن عمد، فلابد من التوازن في التعامل معهم والنظرة إليهم.

الشباب هم أمل المستقبل المشرق، وهم غرس الحاضر ونهضة الغد الواعد، وهم ركائز الصروح التي نبنيها، وهم بيارق النصر الذي نسعى إليه، بل هم موئل الأمة وملاذها، وهم أسهم الاستثمار الحقيقي لأغلى الثروات، هم أمانة في أعناقنا، لنصنع منهم رجالاً يقودون الأمة نحو الخلاص، يحتاجون منا إلى الحب والنصح والتوجيه الصادق، ينتظروننا أن نرسم لهم (من خلال المناهج والإعلام والتعامل المباشر) خريطة طريق مدروسة تبين الهدف السامق والأمل الأخضر الذي يجب أن يتجهوا نحوه بهدوء وثقة وقدرات، ولن يتم ذلك قبل أن نفتح لهم قلوبنا ليفهموا ما نقول، ونحترم تفكيرهم ليحترموا نصائحنا ويضعوها في خانة تليق بها، لأنهم يشعرون بظلم المجتمع الذي حكم عليهم بالتقصير بل الفشل والتواكل، لكنهم لم يحكموا على المجتمع من خلال الخطب والمقالات (مثلما يفعل هو) بل حكموا عليه (بالمجنون) وما عادوا يعقلون ما يقول.

صحيح أن بعض المؤسسات ورجال الأعمال، حاولوا أن يقدموا شيئا للشباب من حيث التدريب وفرص العمل (تحت بند المسؤولية الاجتماعية، وإن كانوا قلة مقارنة بما لدينا من رجال أعمال (يغطون قرص الشمس) لكنهم - على الرغم من قلتهم - لا تخلو بعض تجاربهم من الجانب الدعائي الترويجي، وتأثير هذا الجانب وترجيحه بالشكل الذي لم يظهر معه مفعول تلك المحاولات، لكنها مجملا تُحمد وتصب في خانة دعم الشباب، على الرغم من أن الشباب يحتاجون إلى دعم منظم مركز موجه خالص مجرد من الربح والموازنات التجارية.

نعم حقاً هم أمانة في أعناقنا ويجب أن نتعامل معهم كما يتعامل الشخص النزيه مع الأمانة، أو قل الإنسان الذي حمل الأمانة بعد أن أبت أن تحملها السموات والأرض والجبال وأشفقن منها، وهذه الأمانة لن يحملها أعضاء المجتمع فرادى، لكن سيتقاسم حملها كل من أسهم في صناعة واقعها غير المقبول، يحملها والمجتمع بما فيه من إعلاميين ومثقفين وعلماء مؤسسات وأسر ورجال أعمال وغير ذلك من الفئات والشرائح.

فئة الشباب فيهم البذرة الطيبة، وفيهم الطاقة والحيوية، وفيهم الأمل والرجاء والطموح والتطلع، وروح الابتكار والنظرة بعيدة المدى، وفيهم الرؤية المستقبلية بكل ما تحتوي من ملكات وقدرات ومفاهيم، فهم شركاء أيضاً في تغيير الواقع من خلال المبادرات والمشاركات في البرامج والفعاليات التي تنظّم بشأنهم ولأجلهم، حتى ينفضوا عن كاهلهم تهمة السلبية والتقاعس.



tb787@hotmail.com*

 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد