Al Jazirah NewsPaper Sunday  01/11/2009 G Issue 13548
الأحد 13 ذو القعدة 1430   العدد  13548
طالب العلم المتميز
منصور إبراهيم الدخيل

 

منذ فترة ليست بالقصيرة كانت تراودني فكرة الكتابة عن فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور عبدالرحمن السديس، أستاذ الدراسات الإسلامية بكلية الشريعة بجامعة أم القرى وخطيب المسجد الحرام ولكن لم تكن ملكة الكتابة حاضرة في ذلك الوقت، وكما يعلم الجميع ولاسيما أصحاب الأقلام من الكتّاب أن الكتابة لها إحساس ووجدان وشعور تفرض نفسها.

أحياناً وتختفي في مجال وتبرز في مجالات أخرى وهذا لعله يوجد لي عذراً في تأخري في الكتابة عن هذه الشخصية الإسلامية الفذة التي عرفتها عن قرب عندما كان زميلاً لأخي عبدالعزيز الدخيل في المعهد العلمي بالرياض وكلية الشريعة، وهذه الزمالة لم تكن علاقة زميل بزميله داخل الفصل وأجواء الدراسة، بل كانت زمالة متجاوزة أروقة الجو الدراسي ولكنها لا تبعد عن المناخ العلمي والسبل المعززة إليه.

فالزيارات المتبادلة بينهما سواء في منزلنا أو منزله قائمة على حب العلم والاقتداء بالعلماء والحرص على توجيهاتهم، بالإضافة إلى تبادل المعلومات بينهما في حضور المحاضرات واقتناء الكتب والأشرطة الإسلامية المفيدة، ووسط هذه اللقاءات يتخللها اجتماعات مع أفراد أسرهما التي عشت بعضاً منها حيث اجتمع بين وقت وآخر بهما عندما يزورنا الشيخ عبدالرحمن عندما كان طالباً في المرحلة المتوسطة والثانوية والجامعية، حيث استمع إلى طرحهما وحرصهما على العلم وتشبثهما في التأصيل والوسطية وهما في سن مبكرة. والشيء الذي لفت انتباهي نبوغ الشيخ عبدالرحمن وذكاؤه، وقد أعطاه الله بلاغة وفصاحة، وتعلق بالقرآن الكريم وحفظه وهو في السنة الإعدادية وعمره لم يتجاوز الخامسة عشرة، والذي كان سبباً في تنمية حب الخطابة والتحدث في جمع من الناس.. وأذكر بهذه المناسبة عندما طلب مني أخي عبدالعزيز لحضور خطبة الجمعة التي سوف يلقيها الشيخ عبدالرحمن في جامع غميتة في حلة القصمان نيابة عن الشيخ السحيباني إمام الجامع، وقد طلب من أخي إبداء ملاحظاته عن هذه الخطبة التي تعتبر لأول مرة، وقد اندهشنا جميعاً من خطبته التي اكتملت فيها كل العناصر التي تتطلبها الخطبة والتي نصت عليها السنة النبوية المطهرة من حمد وشكر لله والصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وما ينفع العباد والبلاد في دينهم ودنياهم ووسط هذا الأداء كان أسلوبه المتحضر حاضراً لأنه يراعي في خطبته أسلوب العصر وتغيراته بعيداً عن الإلقاء الممل والحماس الذي لا ضرر له، وبعد ذلك تواصلت خطبه في أكثر مساجد مدينة الرياض ومن بينها مسجد الشيخ عبدالرزاق عفيفي رحمه الله.

واستمرت علاقة الشيخ عبدالرحمن بأخي طيلة حياتهما الدراسية ووسط هذه العلاقة حيث يحرص على الالتقاء بي حيث إنه لا يكتفي بزيارتنا بالمنزل بل يزورني في دار الكتب الوطنية في ذلك الوقت حيث كنت أعمل فيها في قسم الإهداء ويحرص على اقتناء أمهات الكتب والكتب الأخرى التي تتناول جميع أنواع المعرفة التي تقوم دار الكتب الوطنية بتوزيعها على طلبة العلم ويتخلل هذا اللقاء الحديث في مواضع شتى.

والصفة البارزة له دائماً حب الاستماع وهذه من سمة العلماء التي ظفر بها في وقت مبكر، وأذكر بهذه المناسبة حديثاً للمفكر الإسلامي طه جابر العلواني مدير معهد الفكر الإسلامي في أمريكا عندما كان يدرس الشيخ عبدالرحمن في كلية الشريعة بالرياض قال لي إن هذا الرجل سوف يكون له شأن بين علماء الأمة لأن جميع مقومات ذلك متوفرة فيه، وسوف تشاهد ذلك في السنوات القادمة بإذن الله، وفعلاً صدقت رؤيته حيث تم تعيينه خطيباً في المسجد الحرام ومع هذه الوظيفة العظيمة حرص على التحصيل العلمي ونال شهادة الماجستير والدكتوراه، ولم يتوقف عند ذلك بل اهتم بالبحث العلمي ونال شهادة الأستاذية فيه بدرجة (بروفسير)، ومستمر في البحث والتحقيق وليس كما يفعل البعض عندما ينال شهادة الأستاذية يتوقف وينتهي، وهو لديه العشرات من البحوث والكتب والرسائل والمحاضرات التي يطالعنا بها من وقت لآخر.

وخطبة الجمعة التي يلقيها في المسجد الحرام ليست من الخطب التقليدية بل تحمل عمقاً علمياً وطرحاً جديداً يوظف فيه مقاصد الشريعة وفقه الواقع التي تتطلبه المرحلة الراهنة، وهذا ما لم يكن ليتم لولا الله ثم حرصه على البحث العلمي وتأصيله.

كذلك الكثير من الجمعيات والهيئات الإسلامية داخل المملكة وخارجها تحرص على تواجده في منتدياتها وندواتها ومؤتمراتها وإلقاء بعض المحاضرات لما تجده عنده من عمق علمي ووعي حضاري.

وفقك الله أيها الشيخ الجليل وجعل ما قدمت من أعمال في خدمة الإسلام في موازين حسناتكم.

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه.




 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد