الميدان التربوي ميدان خصب لتطبيق التجارب والأفكار التربوية التي يتطلبها الواقع أحياناً، أو تفرضها مواكبة التغيرات المتسارعة، أو تتطلبها تطبيق معطيات الاتجاهات العالمية المعاصرة التي أفرزت نظريات ورؤى تربوية هادفة، ولكن ربما لا يكون هذا ولا ذاك وإنما يحدث التطوير لأجل التغيير فقط وأحياناً قد يكون التغيير ردة فعل لحدث ما أو استجابة لرغبة مسؤول جديد يريد أن يحوز قصب السبق في كثرة التحولات والمستجدات في المسيرة التعليمية، وكل ما سبق لا يكتب له النجاح عادة إلا إذا كان تغييراً مرتبطا بالإطار المرجعي والبنى التحتية للنظام التعليمي المقصود.
لقد شهد الميدان التربوي في الآونة الأخيرة حراكاً وتحولاً ملموساً عالج كثيراً من القضايا التقليدية المملة، ولكن في المقابل أحدثت بعض التجارب المطبقة خلخلة وارتباكا في بعض الجوانب التي أصيبت في ضمور نتيجة الاستعجال في تطبيقها حيث ظلت في تخبط، وعدم اتزان أنهك المطبقين لتعليماتها وحير المشرعين لها، مما قلل من فاعليتها وأدخلها في دوامة المقارنة مع ما سبقها من تطبيقات تقليدية، وربما ذلك يعود إلى أسباب كثيرة لعل من أبرزها وأهمها أن من استهوته تلك التطبيقات وتلك التجارب نظر إلى رأس جبل الجليد فقط ولم ينظر إلى الجذور وما تحت الرأس من بنى وإرهاصات والمثال الرمزي الذي يعكس اندفاع بعض المسؤولين التربويين في تبني بعض التجارب والأفكار التي لا تتماشى مع فلسفتنا التعليمية ولا تتوافق مع طبيعة نظامنا التعليمي يتمثل في القصة الحوارية التي دارت بين رجلين كانا يمران عبر بوابة الجمارك في أحد المطارات، كان الرجل الأول يابانيا ويحمل حقيبتين كبيرتين، بينما كان الثاني بريطانيا وكان يساعد الياباني على المرور بحقائبه عبر بوابة الجمارك، عندها رنت ساعة الياباني بنغمة غير معتادة، ضغط الرجل على زر صغير في ساعته، وبدأ في التحدث عبر هاتف صغير للغاية موجود في الساعة.. أصيب البريطاني بالدهشة من هذه التكنولوجيا المتقدمة! وعرض على الياباني 5000 دولار مقابل الساعة، ولكن الياباني رفض البيع، استمر البريطاني في مساعدة الياباني في المرور بحقائبه عبر الجمارك، بعد عدة ثوان، بدأت ساعة الياباني ترن مرة أخرى..! هذه المرة، فتح الرجل غطاء الساعة فظهرت شاشة ولوحة مفاتيح دقيقة، استخدمها الرجل لاستقبال بريده الإلكتروني والرد عليه..! نظر البريطاني للساعة في دهشة شديدة وعرض على الياباني 25000 دولار مقابلها، مرة أخرى قال الياباني ان الساعة ليست للبيع، مرة أخرى استمر البريطاني في مساعدة الياباني في حمل حقائبه الضخمة، رنت الساعة مرة ثالثة، وفي هذه المرة استخدمها الياباني لاستقبال فاكس، هذه المرة كان البريطاني مصمما على شراء الساعة، وزاد من الثمن الذي عرضه حتى وصل إلى 300.000 دولار..! عندها سأله الياباني، إن كانت النقود بحوزته بالفعل، فأخرج البريطاني دفتر شيكاته وحرر له شيكا بالمبلغ فوراً..! عندها استخدم الياباني الساعة لنقل صورة الشيك إلى بنكه، وقام بتحويل المبلغ إلى حسابه في سويسرا..! ثم خلع ساعته وأعطاها للبريطاني وسار مبتعدا. (انتظر) صرخ البريطاني! (لقد نسيت حقائبك!) رد الياباني قائلاً: (إنها ليست حقائبي، وإنما بطاريات الساعة!!
كم من التجارب التربوية التي بشر بها بعض التربويين وأصروا على تطبيقها في الميدان التربوي أعلنت إفلاسها، وكم من الأفكار التي طبقت وظهر فشلها، وكم من المشاريع التي صرف عليها الملايين توارت مع أصحابها.
ما كان ذلك ليحدث لو درست تلك المشاريع والتجارب دراسة متأنية غير عجولة كعجلة الرجل البريطاني الآنف الذكر ودراسة تلك المشاريع وتقويمها يبدأ عادة في دراسة التربة التي ستزرع فيها بمعنى هل هذه النبتة (الفكرة الجديدة) ولوكانت جميلة ومذاقها حلو تتناسب مع طبيعة تربة المزرعة التي ستزرع فيها (الميدان التربوي) وهل البيئة الخارجية للبلد المقلد (بكسر اللام) كالبيئة الخارجية للبلد المقلد (بفتح اللام) وبمعنى آخر هل فراولة (ولز) ستقطف في صحراء نجد الحارقة وهل سكري القصيم يمكن أن يجنى في جبال الألب!؟
- أستاذ المناهج وطرق التدريس المساعد
albashri@yahoo.com