عندما أريد أن أكتب عن أي موضوع من موضوعات الحياة المختلفة أجدني حائرا بين اختيار الألفاظ وتنسيق الجمل والعبارات، بل وتغيب عن ذاكرتي بعض الألفاظ ولكن عندما حل بي ذلك الحدث الكبير والمصاب الجلل الذي أحزن الصغير قبل الكبير وجدت أن الحروف تتسابق وتتجمع عند قلمي لتشاركني الحزن العميق على فراق غاليتي والتي قد تركت فراغا كبيرا في حياتي لا يمكن سده بل ويحال ملؤه مهما أوتيت من الأموال والكنوز فزمن الطفولة قد ولى وانقضى وصدق من قال يظل الرجل طفلا حتى يفقد أمه فأنا طوال الستة والثلاثين سنة التي مضت عشت طفلا ترعاه أم حنونة تفرح لفرحي وتحزن لحزني وتسر لسروري وتألم لألمي وترفع أكف الضراعة تدعو لي ليس هذا لوحدي فحسب بل مع جميع أبنائها وبناتها وأحباها. كنت أعيش في زمن حياتها في جو روحاني يسوده الأنس والطمأنينة عندما أسمع تلك الدعوات الصادقة وأرى تلك اليدين الطاهرتين وهي ترفعهما الى السماء وتطلب من المولى جل وعلا بأن أكون موفقا سعيدا بحياتي.
ما أجمل وما أروع تلك اللحظات التي أكون جالسا بجانبها مستمعا مرة لذلك الحديث الجميل والمنوع ما بين الوعظ والإرشاد تارة وما بين الحكاية المسلية والقصة المعبرة تارة أخرى ومنصتا مرة أخرى لسماع التحميد والتسبيح والتهليل والتكبير مع تأملي لتلك الأنامل الذهبية وهي تترك عند كل تحميدة وتسبيحة وتهليلة وتكبيرة.
لم تكن غاليتي أما وحسب بل كانت نعم المعلمة والمربية الفاضلة الناجحة ومع انها لم تقرأ كتابا ولم تمسك قلما إلا أن تعليمها وتهذيبها كالبحر الزاجر باللؤلؤ والمرجان فهي التي علمتني خالص التعليم في هذا الزمن الذي اختلطت فيه الأفكار التربوية وتعددت فيه المفاهيم والآراء الشخصية، لقد سقتني والدتي رحمها الله أفضل العلوم ورسخت فيّ أقوى المبادئ ونهلت من معينها الصافي دروسا كثيرة كانت نبراسا لي في حياتي فعلمتني مكارم وفضائل الأخلاق كما علمتني أن الحياة كفاح وجهاد وصبر.
هكذا كانت والدتي أحبها وتعلم منها الصغير قبل الكبير فلله درك يا أماه فعطاؤك بحر لا ساحل له ولو ذهبت لتعداد تلك العطايا لطال المقال ولا احتجت إلى الصفحات الطوال ولكن يكفي من القلادة ما أحاط بالعنق فأكرم بها من أم مربية وأعظم بها من والدة ذات قلب طيب طاهر ولسان ذاكر شاكر.
وأخيراً لقد انطفأ ذلك السراج النير ولكنه لم ينطفئ إلا بعدما أضاء درب حياتي واقتبس من نوره الجميع. إنه وان انطفأ ذلك السراج المنير لم تنطفئ معه تلك الشموع المضيئة التي رحلت وتركتها مضاءة بين جنبات المنزل الذي كانت تسكنه وبداخل الغرفة التي كانت تجلس فيها بمنزلي وعند ذلك المكان الذي كانت تجتمع فيه مع أبنائها وبناتها وأحفادها وأحبابها، إنني أجد عند كل شمعة مضيئة ذكرى جميلة محال نسيانها لأنها أصبحت منقوشة في ذاكرتي لن تزول ما حييت وستظل تلك الشموع تفوح عطرا مدى الدهر وستدوم تلك البساتين الجميلة مثمرة سوف يقطف كل جيل من الأجيال القادمة ثمرة من ثمار تربيتها الرائعة.
فيا الله أرحم واغفر لوالدتي وأكرم نزلها وبيض وجهها واجعل جنات الفردوس مأوى لها وألحقنا بها في جناتك جنات النعيم اللهم آمين
- ابن الفقيدة