اللغة العربية بين الواقع والمأمول د. بندر بن خشان الهذال
إن تقدُّم ونهوض أي أمة مرتبط ارتباطاً وثيقاً باعتزازها بلغتها، ويدعم ذلك ما قاله شاعر النيل:
أرى لرجال الغرب عزة ومنعة
وكم عز أقوام بعز لغات
إن اللغة هوية الأمة، وتُعد هي والدين وجهان لعملة واحدة لأي ثقافة أو حضارة، كما يثبت ذلك هنتجتون في كتابه (صراع الحضارات).. فتعليم العلوم باللغة الأم شيء بديهي.. وفي هذا الجانب, نجد دول المركز في أوروبا وأمريكا - كما سماها فارلشتاين في نظريته الاجتماعية المتعلقة بالنسق العالمي - تدرس جميع العلوم باللغة الأم, كالألمانية في ألمانيا والفرنسية في فرنسا والإيطالية في إيطاليا, والإسبانية في إسبانيا, وهذا لم يعقها أبداً من التقدم، بل أصبحت هذه الدول في عداد الدول المتقدمة في شتى المجالات.. أما في الدول العربية, نجد أن العربية تعيش وضعاً مأسوياً, بل نجد أنها تحتل المرتبة الثانية في بعض هذه الدول بعد الإنجليزية أو الفرنسية.. إضافة إلى ذلك, أن إتقان اللغة الأجنبية أصبح من الكروت الرابحة لدى من يتكلم هذه اللغة من أجل الحصول على وظيفة... حتى لو كانت هذه الوظيفة لا تستدعي على الإطلاق إتقان هذه اللغة.. ومن الملاحظ في أيامنا أنه أصبح من المستساغ أن يُخطىء الخطيب لغوياً، أو إعرابياً، أو المسؤول في اللغة العربية, ولكن يندى جبينه ويتفصَّد عرقه عندما يخطىء في اللغة الأجنبية أمام الناس!!!
أنا هنا لست أبداً ضد تعليم اللغات الأجنبية.. ولست أيضاً مؤيداً للانعزال والتقوقع والاكتفاء بالعربية دون أن نعرف ما عند الآخر وما يمتلكه.. بل بالعكس إن تعليم اللغات الأجنبية أمر مهم, لما فيه من إثراء ثقافي يساعد على معرفة الآخر، وعلى نقل العلوم الغربية إلينا بترجمتها مما يدعم وينعش حركة الترجمة في الوطن العربي التي أمست تراوح مكانها.. ولكن إضعاف اللغة العربية وإحلال اللغات الأجنبية محلها يُعد لوناً من ألوان العولمة, بل يهدف إلى تحطيم حضارات وثقافات الشعوب.. في الوضع الراهن, أضحت اللغة الإنجليزية لغة الخطاب في المستشفيات والمدارس والبيوت والمطاعم والشركات, وباتت هذه الأماكن بيئات أجنبية يتبادل فيها العرب لغة شكسبير.. وهذا سبب في إقصاء العربية, وأصبح بعض الناس يجد صعوبة في التعبير بشكل دقيق في لغته العربية عن ما يجول في خاطره.. أنا لا أدعو البتة إلى مقاطعة اللغة الأجنبية أو الاستغناء عنها.. ولا أقول بعدم فائدتها, بيد أنني أدعو إلى تنسيق علاقتنا بهذه اللغة, مع شهادتنا بدورها المهم في بعض شؤون الحياة.
في الحقيقة, أنا متيقن جداً من أهمية اللغة الأم في اكتساب العلوم والمعارف.. وتوضح الأبحاث العلمية البُعد الاجتماعي للغة العلمية (اللغة الأم) الذي لا يدركه الطالب الأجنبي الذي من الممكن أن يؤثر هذا البُعد تأثيراً جلياً على الإدراك والاستيعاب.. فمن الأبحاث التي اطلعت عليها بحث فؤاد صياح وأبي جودة اللذين يشيران إلى دراسة أُقيمت في الولايات المتحدة توصلت إلى أن للغة تأثيراً واضحاً على فهم واستيعاب النظريات والمفاهيم العلمية.. وأشار الباحثان إلى دراسة أُجريت في بيئات ومناطق جغرافية مختلفة، على سبيل المثال لا الحصر: الدراسة الميدانية التي أجراها عدد من الباحثين تتمحور حول استيعاب مجموعة طلاب من الهند وأستراليا حول مفاهيم علمية, أجابت عليها كل مجموعه بلغتها الأم فبيّنت نتائج الاختبار أنه لا يُوجد أي فرق في تحصيل طلاب الهند وطلاب أستراليا.. مما يبرهن على أن اللغة ليس لها أي علاقة بفهم واستيعاب النظريات والمفاهيم العلمية في دولتين تقومان باستخدام منهج متشابه, نظراً لانتمائهما إلى الكومنولث, بالرغم من اختلاف لغة التعليم في كلتا الدولتين.
كل هذه الدراسات التي أشرت إليها آنفاً تثبت بالدليل القاطع أن استخدام اللغة الأم له دور جوهري في قابلية وسهولة الاستيعاب, وهذا ليس تعصباً أو عنصرية مني، بل اعتماداً على براهين علمية توضح لمن يريد أن يقود السفينة لتمخر عباب بحر العلم والتقنية في عصر دفن فيه من لم يواكب التطور العلمي والتقني.
ولنأخذ دول الاتحاد الأوروبي كمثال في تعليم اللغات، وذلك أن جميع العلوم, كما ذكرت في أول المقال, تُدرَّس باللغة الأم.. علماً بأن هذه الدول متجاورة جغرافياً.. فلو أننا افترضنا جدلاً أن تعليم العلوم باللغة الأجنبية أمر مهم, فلماذا هذه الدول لم تدرك فوائد تعليم العلوم باللغة الأجنبية؟.. فهل يا ترى هم غافلون عن إيجابيات هذا التعليم؟؟.. وهل نحن فقط الوحيدون المدركون لذلك؟؟.. يجب أن نعتز بلغتنا الأم ونكف عن الوهم الزائف الذي وقعنا فيه.. في حسي, أن أي إصلاح للتعليم لا يقوم على التعليم باللغات الأجنبية, وإنما يقوم على التعليم باللغة العربية, ويصبح التفكير والإبداع وسعة الأفق من خلال لغة القرآن الكريم.. هذا والله من وراء القصد.