Al Jazirah NewsPaper Friday  06/11/2009 G Issue 13553
الجمعة 18 ذو القعدة 1430   العدد  13553
فقراء المسلمين والمشروعات الخيرية أولى من التكرار
المزاحمون في الحج.. وإيذاء ضيوف الرحمن!

 

الرياض -(الجزيرة)

هناك من أدى فريضة الحج ويتابع الحج بصفة مستمرة، ويصر على أداء الحج مرات ومرات، في الوقت الذي يحاول الكثيرون أداء الفريضة ولو مرة واحدة، ولكنهم يجدون من يستولي على الفرصة بتكرار الحج كل عام، ويزاحمونهم، ويضيقون عليهم.. كيف ترون تكرار الحج أكثر من مرة؟ ألا يوجد مصارف أخرى للإنفاق فيها في أوجه الخير، وينال المسلم أجر الحج؟ ومن ذلك الإسهام في حج من لم يؤد فريضة الحج؟ كان ذلك محور التساؤلات التي طرحناها على عدد من أصحاب الفضيلة.. فماذا قالوا؟!

اتركوا الفرصة لغيركم

يوضح د. خالد بن عبدالله المزيني - أستاذ الفقه بجامعة الملك فهد للبترول والمعادن: أن هذه القضية تتعلق بالوعي العام، وما لم ترقَ الأمة الإسلامية إلى المستوى المنشود من الوعي فستظل تتلقن دروساً كارثية في كل مرة، وقد ثبت من خلال المواسم الماضية أن الحوادث التي ذهب ضحيتها عدد من الحجاج، أن السبب الرئيس كان الازدحام غير الواعي.. كما أنه قد أشارت بعض الإحصائيات إلى ارتفاع نسبة الذين يكررون الحج مرات متوالية، وإذا استثنينا رجال النفع العام، من العلماء والأطباء ومقدمي الخدمات العامة، فستبقى لدينا نسبة كبيرة ممن لا يستفيد منهم الحجاج، بل سيزداد بهم الزحام ويشتد الضغط على المرافق العامة.

صحيح أن الحج من أعظم العبادات، وأن تكرار الحج والعمرة مشروع من حيث الأصل، ولكن نظراً إلى تغير الظروف، وازدياد أعداد الحجاج في الأزمنة المتأخرة بما لا يمكن ضبطه إلا بوضع الضوابط النظامية، فقد اتجهت الدول الإسلامية بقيادة المملكة العربية السعودية إلى تخصيص نسبة معينة من الحجاج لكل دولة، ويمنع الزيادة عليها.

ولو أن هؤلاء المعددين في كل سنة وفروا هذه الأموال والطاقات، ووجهوها في سبيل تذليل العقبات أمام ضيوف الرحمن لكان خيراً وأقوم قيلا، ومن ذلك بذل المال لمن يتشوق إلى الحج ولا يستطيع لعدم قدرته المالية، فقد ثبت في الصحيحين عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (من جهز غازياً في سبيل الله فقد غزا، ومن خلف غازياً في أهله بخير فقد غزا)، وقد سمى النبي - صلى الله عليه وسلم - الحج جهاداً، كما ثبت من حديث عائشة رضي الله عنها، وفي المسند من حديث عطاء بن السائب عن أبي زهير عن عبدالله بن بريدة عن أبيه مرفوعاً إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (النفقة في الحج كالنفقة في سبيل الله بسبعمائة ضعف).

كما يستطيع التجار أن يتبنوا مشاريع خيرية لتوزيع الكتب والنافعة، أو تقديم الطعام المناسب، ويكون ذلك بطريقة لائقة بمقام وفد الله، من حيث الجودة والتعبئة والتغليف، فهذا من البِرِّ، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة كما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد قال جماعة من السلف إن بِرَّ الحج هو: إطعام الطعام, وقد روي مرفوعاً إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بإسناد فيه ضعف.

ومن أوجه البر أن يصرف النفقة على المحتاج من قرابته، فقد قال الإمام أحمد: الصدقة على قريبه المحتاج أفضل من الجهاد مع عدم حاجة المسلمين إليه، وقال أيضاً لرجل أراد الثغر للجهاد: أقم على أختك أحب إلي، أرأيت إن حدث بها حدث من يليها، وقال لرجل له مالٌ كثير: أقم على ولدك وتعاهدهم؛ أحب إلي، ولم يرخص له يعني في غزو غير محتاج إليه، وقال ابن الجوزي: الصدقة أفضل من الحج ومن الجهاد.. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: استيعاب عشر ذي الحجة بالعبادة ليلاً ونهاراً أفضل من الجهاد الذي لم تذهب فيه نفسه وماله، وهي في غير العشر تعدل الجهاد.

خلاصة القول: إن الأولى بمن أدى فريضة الحج في السنوات الأخيرة، أن يترك الفرصة لإخوانه المسلمين ممن لم تتيسر له الفرصة في الأعوام السابقة، خصوصاً إذا لم يكن ممن يفيد الحجاج، من القائمين على مؤسسات النفع العام، كالعلماء والأطباء ونحوهم.

إزهاق الأرواح

ويقول د. محمد بن سيدي محمد الأمين الشنقيطي - أستاذ القراءات بكلية القرآن الكريم بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة: الحمد لله القائل: {وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً}، وجعل وجوب الحج والعمرة على المستطيع في العمر مرة واحدة، وذلك تخفيفاً ورحمة بعباده {إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا}، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: (يا أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا، فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثاً، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم، ذروني ما تركتكم)، ولم يحج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا حجة واحدة، وهي حجة الوداع سنة عشر من الهجرة، بعدما فرض الحج بالمدينة النبوية.

ولاشك أن في تتابع الحج والعمرة فضل وأجر عظيم جاءت به الأحاديث ولا ينكره أحد، ولكن مع كثرة الوافدين إلى هذه البلاد المملكة العربية السعودية لأداء هذه الشعيرة، وضيق المشاعر التي يؤدى فيها هذا المنسك، مما نتج عنه من شدة الزحام، وتضييق بعضهم على بعض، بل وإزهاق الأرواح أحياناً من الزحام، كان لابد من وضع ضوابط وآليات لتيسير هذه الشعيرة، وتمكين القادمين لأدائها في يسر وسهولة ولذا وافقت دول العالم الإسلامي على تحديد نسبة القادمين من كل دولة، تحقيقاً لهذا المطلب، وهو التيسير ومن ذلك هذه البلاد، وهذا كله للمصلحة، ودرء للمفسدة، ودرء المفسدة التي تلحق بالكل مقدم على جلب المصلحة الفردية.

فإفساح المرء الذي قد منّ الله عليه بالحج مرة أو مرات المكان والفرصة لأخيه المسلم الذي لم يسبق له الحج، وعدم مزاحمته، مطلب شرعي لما فيه من التعاون على البر والتقوى {وتعاونوا على البر والتقوى}، وقد يحصل له بحسن نيته وتقديمه لأخيه المسلم الذي لم يحج على نفسه من الأجر مالا يعلمه إلا الله، ففضل الله عظيم لا يحده حد إذا خلصت النيات له وحسنت، كما أنه يحصل له الثواب لامتثاله أمر الله تعالى في طاعته ولي الأمر الذي حض على إفساح الطريق لمن لم يحج، وعدم مزاحمته بمن أدى الفريضة مرة أو مرات {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ}، كما أن المرء يناله من الثواب والأجر العظيم مالا يعلمه إلا الله إذا سعى في تمكين من لم يؤد فريضة الحج من أدائها، وذلك ببذل المال، والنفقة له حتى يؤديها على الوجه المطلوب شرعاً، فالدال على الخير كفاعله، والله لا يضيع أجر من أحسن عملاً.

الفهم الصحيح للاستطاعة

ويقول الشيخ عبدالعزيز بن محمد الحمدان - مدير إدارة شؤون الدعوة والإرشاد بفرع وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد بمنطقة الرياض: لا يشك المسلم في فضل الحج إلى بيت الله الحرام وما يترتب عليه من جزيل الأجر والثواب ومغفرة الذنوب العظام.

وهذا مما دفع كثيراً من المسلمين لتكرار شعيرة الحج، ولكن هناك مجموعة من الضوابط الشرعية التي تحكم تكرار بعض المسلمين لشعيرة الحج منها: أن الله لا يقبل النافلة إذا كانت تؤدي إلى فعل محرم لأن السلامة من إثم الحرام مقدمة على اكتساب مثوبة النافلة، فإذا كان يترتب على كثرة الحجاج المتطوعين إيذاء الكثير من الحجاج المفترضين من شدة الزحام مما يسبب غلبة المشقة وانتشار الأمراض وسقوط بعض الناس هلكى حتى تدوسهم أقدام الحجيج وهم لا يشعرون، أو يشعرون ولا يستطيعون أن يقدموا أو يؤخروا وكان المتعين هو تقليل الزحام ما وُجد إلى ذلك سبيلا.

وأولى الخطوات في ذلك أن يمتنع الذين حجوا عدة مرات عن الحج ليفسحوا المجال لغيرهم ممن لم يحج الفريضة، ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح وخصوصاً إذا كانت المفاسد عامة، والمصالح خاصة، فإذا كانت مصلحة بعض الأفراد أن يتنفل بالحج مرات ومرات وكان من وراء ذلك مفسدة عامة للألوف ومئات الألوف من الحجيج مما يلحقهم من الأذى والضرر في أنفسهم وأبدانهم حتى هؤلاء المتنفلون أيضاً يتأذون من ذلك كان الواجب منع هذه المفسدة بمنع ما يؤدي إليها وهو كثرة الزحام.

ولا يشك عالم يعرف أولويات الإسلام ويعرف ما حقه التقديم وما حقه التأخير في الأولويات التي يجب مراعاتها فيجب أن نعلم أن الإسلام في تكاليفه ليس على مستوى واحد، فهناك مراتب للأعمال، والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: (الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق).

إذن هناك أدنى وهناك أعلى وهناك في الوسط شيء، والله تعالى يقول: (أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله)، فالأشياء ليست متساوية فلابد أن يتفقه المسلمون في ذلك.

وأبواب التطوع بالخيرات واسعة وكثيرة، ولم يضيق الله على عباده فيها، والمؤمن البصير هو الذي يتخير منها ما يراه أليق بحاله، وأوفق بزمانه وبيئته فإذا كان في التطوع بالحج أذى أو ضرر يلحق بعض المسلمين.. فقد فسح الله للمسلم مجالات أخرى يتقرب بها إلى ربه دون أن يؤذي أحدا، فهناك الصدقة على ذوي الحاجة والمسكنة، ولاسيما على الأقارب وذوي الأرحام فقد جاء في الحديث: (الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم ثنتان: صدقة وصلة)، وقد تكون نفقتهم عليه واجبة، إذا كان من أهل اليسار وهم من أهل الإعسار، وكذلك على الفقراء من الجيران لما لهم من حق الجوار بعد حق الإسلام، جاء في الحديث: (ليس بمؤمن من بات شبعان وجاره إلى جنبه جائع)، وهناك الإنفاق على الجمعيات والمراكز الإسلامية ومدارس تحفيظ القرآن الكريم والمؤسسات الاجتماعية والثقافية التي تقوم على أساس الإسلام، ولكنها تتعثر لعدم من يمولها ويعينها، ولو أن مئات الألوف الذين يتطوعون سنوياً بالحج والعمرة رصدوا ما ينفقون في حجهم وعمرتهم لإقامة مشروعات إسلامية، أو لإعانة الموجود منها لعاد ذلك على المسلمين عامة بالخير وصلاح الحال والمآل.

وعلى الإخوة الحريصين على تكرار شعيرتي الحج والعمرة أن يكتفوا بما سبق لهم من ذلك، وإن كان ولابد من التكرار فليكن كل خمس سنوات، وبذلك يستفيدون فائدتين كبيرتين لهم أجرهما:

الأولى: توجيه الأموال الموفرة من ذلك لأعمال الخير والدعوة إلى الإسلام، ومعاونة المسلمين في كل مكان.

الثانية: توسيع المكان لغيرهم من المسلمين الوافدين من أقطار الأرض ممن لم يحج حجة الإسلام المفروضة عليه.

فهذا أولى بالتوسعة والتيسير منهم بلا ريب، وترك التطوع بالحج بنية التوسعة لهؤلاء، وتخفيف الزحام عن الحجاج بصفة عامة، لا يشك مسلم أنه قربة إلى الله تعالى، لها مثوبتها وأجرها (وإنما لكل امرء ما نوى)، ورد عن عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال: (في آخر الزمان يكثر الناس من الحج بلا سبب، يهون عليهم السفر، ويبسط لهم في الرزق، فيهوي بأحدهم بعيره بين الرمال والقفار، يضرب في الأرض للحج وجاره إلى جنبه مأسور لا يواسيه، فهو يقول لك أنه يذهب ليحج ويضرب في الرمال والقفار وجاره تاركه يأسره الجوع أو الفقر أو الحاجة لا يواسيه)، وهذا ما يحدث حالياً.

وجاء رجل إلى بشر بن الحارث وهو من زهاد الأمة فقال له: يا أبا نصر إني أردت الحج وجئتك استوصيك. فهل توصيني بشيء؟ فقال له: كم أعددت من النفقة في الحج؟ قال: ألفي درهم فقال له: هل تريد الحج تزهداً أو اشتياقاً إلى البيت أم ابتغاء مرضاة الله؟ قال: والله ابتغاء مرضاة الله، قال: هل أدلك على ما تحقق به مرضاة الله وأنت في بلدك ومنزلك؟ إذا دللتك على شيء من هذا تفعل؟ قال: أفعل، قال: تذهب تعطي هذا المبلغ عشرة أنفس، فقير ترمم فقره، ويتيم تقضي حاجته، ومدين تقضي عنه دينه، ومعيل تخفف عنه أعباء عياله، وعدّ له عشرة من الناس، وقال: ولو أعطيتها واحداً تسد بها حاجته فهو أفضل، أي تكفيه وتحل مشكلته بالألفي درهم، فقال له: يا أبا نصر السفر في قلبي أقوى، فقال له: إن المال إذا جمع من وسخ التجارات والشبهات أبت النفس إلا أن تقضيه في شهوتها، يعني الناس تشتهي أن تروح للحج فيما هو أفضل وفيما هو أنفع للمسلمين.

وأنا أرى أن تكرار الحج دون سبب، وترك الأولويات هذا من عدم الفقه، وأولى أن يفهم المسلم أنه يطعم جائعاً أو يداوي مريضاً أو يؤوي مشرداً أو يكفل يتيماً أو يقضي حاجة أرملة أو يبني مدرسة أو مسجداً أو يساهم في مشروع ذي بال، أو يسهم في حج من لم يؤدي فريضة الحج بأن هذا أفضل عند الله.

والمفروض أن يشعر المسلم بالنشوة واللذة الروحية لكل هذه الأعمال الجليلة القدر أكثر مما يكرر الحج والعمرة، فلو أن المسلمين فهموا هذا لاستطعنا أن نستفيد من المليارات كل عام لمصالح المسلمين في العالم، فإن هذه المبالغ كلها لو دفعت لسدت مسداً وسدت ثغرةً في حياة المسلمين وفي حاجات المسلمين.




 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد