Al Jazirah NewsPaper Wednesday  11/11/2009 G Issue 13558
الاربعاء 23 ذو القعدة 1430   العدد  13558

رحم الله أبا محمد
د. محمد بن سعد الشويعر

 

الموت كم فرق بين الأحبّة والخلان، وباعد بين الأهل والولدان، وكم شتَّت في الأُسر، وكم أحدث من مفاجأة وألم شديد الوطأة على النفوس والأثر بين المتآلفين فبدَّد شملهم.. حتى العجماوات يبين الأثر عليها، عندما يحصل الفراق، وعن إحساسها بالذبح، حيث نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الأضاحي أن تذبح واحدة وأختها تنظر إليها، وأن يحد الإنسان شفرته وهي تنظر إليه.

إذا كان هذا ظاهراً، فإن الإنسان يختلف عن العجماوات، لأنه مكلف بشرع الله، وأحاسيسه في كل الأمور أمكن منها، حيث أنعم الله على المسلم باليقين وثبات الإيمان فيرضى بقضاء الله وقدره، ليحتسب أجراً مدخراً عنده سبحانه، استجابة للقول الكريم: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ}(البقرة 154-156).

ورضي الله عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، فقد نسب إليه ضمن كلام له: (وأكره الحق) يعني بذلك الموت لأنه حق والطريق إليه مأثور، وقد أوجبه الله على كل كائن حي، في هذه الحياة أن يتجرعه: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ }الرحمن 26-27). فنحن نقول، كما في الآية: {إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ}.

فالمسلم يردعه إيمانه، ويستسلم ولا يقول إلا خيراً، فيؤجر إن شاء الله، وصفوة الخلق نبينا عليه الصلاة والسلام، لما مات ابنه إبراهيم في السنة العاشرة من الهجرة، قال: (العين تدمع، والقلب يخشع، وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون، ولا نقول إلا ما يرضى الرب).

فالمسلم حتى يكون مستعداً للأجل المحتوم، الذي لا يدري متى يفاجئه فإنه لابد أن يكون مؤمناً بقضاء الله وقدره، حريصاً على تطبيق شرعه، كالمسافر الذي جهز عدة السفر استعداداً للرحيل، ورحيل الدنيا يختلف عن رحيل الآخرة، ليكون متهيئاً لزيارته، وهو يفاجئ الإنسان من دون إنذار سابق، حيث تتقطع الآمال مع مباغتته.

وهذا ما حصل لصديقنا الذي تآلفنا معه منذ أيام الطلب، في عشرة طويلة، قطع حبالها هادم اللذات، ومفرق الجماعات إنه: الدكتور عبدالرحمن بن محمد العيفان، حيث طويت صفحته من سجلات حياتنا الفانية في يوم الخميس 3-11-1430هـ تاركاً أثراً عميقاً في قلوب عارفيه، دون مرض سابق -رحمه الله وأسكنه فسيح جناته، حيث صُلي عليه بعد الجمعة، وقد ووري جثمانه بمقبرة النسيم، في جمع حاشد، من عارفي مكانته وعلمه وشهامته، جاءوا من أماكن عدة في المملكة وخارجها، لما بلغهم النبأ بمُقل دامعة مشيعين ومودعين، ذاكرين في هذا الموقف، مقولة الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: (موعدهم يوم الجنائز).

ونحسبه من أهل الخير، لما عرف عنه من صفات النبل الحميدة وحبه للسعي في مصالح الناس: (ومن كان في حاجة الناس كان الله في حاجته) حيث فاجأه الأجل، دون مقدمات أو مرض، وله أسوة بمن هم من أهل الخير المعروفين بأسمائهم ومواقفهم، ممَّن قد مروا بمثل هذه المواقف، وشهود الله في أرضه غفر الله له.

وإنما المرء حديث بعده

فكن حديثاً حسناً لمن روى

لقد عرفته منذ مدة طويلة، وبعشرة متأصلة، بسمات تميزه ولم تتغير: هدوء في الطبع، وجد في العمل والبحث، ووفاء في العلاقة، وثبات في المواقف لا تتغير، يزين ذلك ما فطرت عليه نفسه، من حسن الخلق، وتعدد الثقافة، وإنزال الناس منازلهم: فالكبير بمنزلة الأب، والصغير بمكانة الابن، والمتوسط كالأخ.

ناهيك بحميته وفزعته، ومسارعته في قضاء حوائج الآخرين، لتطبيقه: (إن الله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه).

وإن كان تخصصه الشريعة الإسلامية، واللغة العربية، فإن ثقافته متعددة، ما بين الكتب والمجتمع، فعرفته موسوعة في مجالات متعددة، أرجو أن يكون في مدخراته ما يثبت ذلك، لأن العلم كالصيد لابد أن يقيَّد بحبال موثقة.. وهي الكتابة والرّصد. ولئن فرقتنا الأعمال ردحاً من الزمن، إلا أن الصلة تتجدد كلما منحت فرصة.

فلقد كان تعيينه بعد إكمال الكلية، في جدة بالمعهد العلمي، معلماً ثم مديراً، وسمت به همته الطموحة للدراسة العليا، فأكمل (الماجستير والدكتوراه) بجهده الذاتي بتفوق، وإن كان هو لم يستفد مادياً من هذا المؤهل فيما بلغني إلا أنه حرص عليه، محبة في العلم، ودافعاً للبحث وزيادة الحصيلة العلمية.

ثم بعد أثره البارز في معهد جدة العلمي، فقد أُسند إليه كل ما يتعلق بجامعة الإمام من أعمال في جدة: كاستقبال وترحيل ما ينوب هيئة التدريس الوافدين من الخارج، أو ضيوف الجامعة، ومتابعة ما يتعلق بهم حتى رحيلهم للرياض أو لبلادهم.. لأنه واجهة أمام الجميع، فكان يؤدي دوره بإتقان. ولمعرفة معالي الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي بجديته وحزمه وسعة مداركه، فقد رأى مناسبة الاستفادة منه بعدما تقاعد، لدقته في العمل، وخبرته بالأمور.

لقد عرفت فيه -رحمه الله- الذكاء والفطنة، وتمكنه من اللغة العربية، كتابة وتدبراً واطلاعاً، مع تضلعه في العلوم الشرعية، كما عرفت فيه اهتماماً بتاريخ المملكة الحديث، وتوسعاً في معرفة الأنساب، والمواقف الاجتماعية والشعبية، فكان إخباريا بارعاً، إن تحدث فعن معرفة، وإن سُئِل فيملأ السمع والبصر، بما لديه من معلومات موثقة، وعلى الخبير يقع السائل.

ولقد أشرت إليه برصد المعلومات التي تختزنها ذاكرته، ووعد خيراً بعدما يتفرغ لهذا المجال.

وكان -رحمه الله- يؤمل أن يلقي عصا التسيار بالرياض، بعدما يكتمل بناء بيته، لأن أسرته انشطرت إلى قسمين: بالرياض قسم، وبجدة آخر، وينوي الاستقرار بالرياض، فأراد الله أن يكون استقراراً أبدياً.

ولعل أولاده لديهم خبر عما رصد وما دون في أوراقه، من ذاكرته الواسعة بمدخراتها.

كما كانت ذاكرته تختزن أخبار شقراء ومواقف من سبقونا ولم يدون عنهم إلا القليل، وقد استفدت منه في كتابي (شقراء مدينة وتاريخ)، وواعدني بالزيادة عند الطبعة الثانية متى هممت بها، إلا أن قضاء الله حال دون ذلك.

ولمعرفتي باهتمامه في هذا الجانب، لأنه حافظ ومتقن، والحفاظ الثقاة قليلون، فلعل لدى أولاده وفيما سيجدون من أوراقه ورصده ما ينفض غبار الماضي في صفحات مشرقة من تدوينه، ولو كان يسيراً فهو مفيد، لأن ذاكرته -رحمه الله- أيضاً مخزن لأمور المجتمع، لأنه إخباري مدقق للأخبار، وممحّص للمواقف.

ولما كنت أعرف عنه أنه شاعر مجيد، منذ زمن متقدم، بل عندما يتهيج الشعر عنده، يبرز على لسانه الكثير منه، كعادة شعراء العرب دون تكلف، بما يسد الغرض الذي قصده بالعربية الفصحى، ومن كان يجيده بالفصحى، فإنه يسهل عليه نظمه بالعامية، وأعرف منه هذا في حالات أطلعني عليها.

وقد تحدثت معه منذ فترة: لماذا لم تجمع شعرك؟ ففهمت أنه موجود في ورقات لم تطبع، فلعل أولاده يجمعون ما تناثر منه في إضمامة أو اثنتين، حتى يخرج كجزء من تراثه.

وإنْ قِصر باعي عن إيفائه حقه في التأبين، فإن مفاجأة النبأ عن وفاته شديدة الوطأة، لما بيني وبينه من رابطة متينة، وصداقة متأصلة كرابطة الأخوة في النسب أو هي أقرب.

إنها عشرة عُمْر، وتجاذب آراء وأفكار، وتلاقح معلومات، فطالما استفدت بما يمنحني من نصح، ويفيدني من معلومات، والشافعي -رحمه الله- يقول فيما روي عنه: (من علمني حرفاً كنت له عبداً) فهو من زينة الدهر، الذي يزينه الرجال الأوفياء في صدقهم وعلاقاتهم ووفائهم.

فرحم الله أبا محمد الدكتور عبدالرحمن بن محمد بن عيفان، وأسكنه منازل الأبرار في جنة الفردوس الأعلى، حيث قال صلى الله عليه وسلم: (إذا سألتم الله الجنة، فاسألوه الفردوس الأعلى فإنها أعلا منزلة في الجنة).. وجمعنا الله به في مستقر رحمته.


 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد