Al Jazirah NewsPaper Wednesday  11/11/2009 G Issue 13558
الاربعاء 23 ذو القعدة 1430   العدد  13558

وغاب ندي الكف
عبدالعزيز بن عبدالرحمن الخريف

 

لقد عشت مبسوط اليدين مبرزاً

وعوفيت عند الموت من فتنة القبرِ

بينما كنت مسروراً ومغتبطاً بين كوكبة من العلماء والأدباء، في أحد الصالونات الأدبية، المشهورة بمدينة الرياض..، فإذا بشعور خفي ينتابني فجأة، وكأني بجهاز هاتفي يهتز ثقلاً، فأجلت لحظي في واجهته - شاشته - فإذا برسائل الأحزان تتزاحم وتتوالى من بعض الإخوة والمحبين معزين لي في رحيل زميلي وصديق ودّي، ورفيق عمري الذي قضيت معه أجمل الذكريات، وأحلى أيام عمري وساعاته، إنه الشيخ الفاضل عبد الله بن إبراهيم بن سليمان الراشد. فلم أقدر على متابعة الأحاديث الشيقة التي تدار في تلك الأمسية أمسية يوم الثلاثاء الموافق 1-11-1430هـ. فتمالكت نفسي في تلك اللحظة الموجعة لقلبي..، فاستأذنت من الحضور بالانصراف مدعياً أن فيه موعداً مسبقاً وضرورياً..، وقد انتقل ذاك الفرح في تلك الساعة إلى حزن عميق دكّ هِضاب قلبي، وكدر خاطري، وأهاج الذكرى لدي، متذكراً أيامنا الأول أيام الصبا والشباب - غفر الله له وجبر مصيبتنا فيه - وإن كنت أعلم جيداً بحتمية الفراق والرحيل الأبدي عن هذا الكوكب الأرضي لكل كائن حي..، ويبقى الواحد القهار - جلت قدرته -. وقد خيم الحزن على أسرته وعلى كثير من محبيه في محافظة حريملاء والرياض والحجاز وغير ذلك..، لعلو مكانته في نفوسهم وقلوبهم..، وسيظل مكثه بين جوانحهم وفي واحات أفئدتهم أزماناً طوالاً..، وهذا شأني حينما يغيب عن ناظري زميل عزيز أمثال - أبو إبراهيم - أو صديق ودّ حميم. فهو ابن بار لوطنه..، ورجل كريم من أعلام البذل السخي في أوجه البر والإحسان ورعايته المحتاجين والأرامل والأيتام بل وبتشييد العدد الكثير من المساجد مع بناء مساكن للأئمة والمؤذنين وتأثيثها تأثيثاً فاخراً بجميع ما تحتاجه..، وأذكر منها المسجد الكبير الجامع - سابقاً - بالحي الجديد بمحافظة حريملاء الذي تقام فيه الدروس والمناسبات الجميلة مثل الاحتفاء بحفظة القرآن الكريم وتشجيعهم وإلقاء المحاضرات والندوات العلمية بين حين وآخر تحت إشراف مركز الدعوة والإرشاد.. كما سبق أن سعد بافتتاح وتأسيس أول مدرسة نظامية لتحفيظ القرآن الكريم بحريملاء- المدرسة الصالحية حالياً - حيث طلب منه الشيخ محمد بن صالح بن سلطان أن يتنازل له عن تمويلها ورعايتها بصفة دائمة فوافق له حباً وتكريماً لأبي سلطان - رحمهما الله رحمة واسعة - ولقد اتصف بصفات حميدة يُغبط عليها منها: ملازمته لطاعة الله وتلاوة القرآن الكريم آناء الليل وأطراف النهار، وزياراته للبيت الحرام بين آونة وأخرى، واستئجار شقق واسعة قرب المسجد الحرام منذ أكثر من ثلاثين عاماً بمبالغ باهظة وعالية لمن يؤم مكة المكرمة للحج أو العمرة من أقاربه ومحبيه وعلى مدى السنين - طيب الله جدثه ونوره - وبتوفيق من المولى لم يعقه الأخذ بأسباب التجارة العقارية عن التعبد باطمئنان وراحة بال، والاستمرار في البذل في أوجه البر والإحسان وصلة الأرحام، حيث دَرّت عليه تلك العقارات بتوفيق وفضل من الله أرباحاً باهظة بيسر وسهولة، فقد جمع الله له بين الحسنين - فما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعتا - كما أن الشح لا يجد له مكاناً ولا منفذاً إلى نفسه، فهو سمح في تعامله مع الناس لا يحاول الضغط على المعسرين بل قد يسامح في ذلك مراراً عديدة، منها على سبيل المثال لا الحصر يقال أنه قد تنازل عن أكثر من مليون ريال عن ورثة شخص مدين له قد وارته الترب وسبقه إلى مراقد الراحلين..، ابتغاء مرضاة المولى وتطييباً لخاطر ورثته وأبنائه..، وغير ذلك من جزيل هباته وعطاياه الباذخة..، بعدما أفاء الله عليه من سعة الرزق ووفرة المال فهو يقوم بشراء عشرات المساكن الممتازة النظيفة من ماله الخالص للأيتام والأرامل، ومتوسطي الحال من أقاربه وغيرهم من الضعفاء مع تزويدهم بأشياء أخرى من مستلزمات الحياة..، ونقول الآن بعد رحيله:

من للضعيف يعينه أنى أتى

مستصرخاً يا غوث كل ضعيف

من لليتامى والأرامل كافلٌ

يرجونه في شتوة ومصيف

وكأني به - رحمه الله - وبلسان حاله يردُّ على من يحاول تثبيطه عن كثرة الإنفاق والبذل في أوجه البر وصنائع المعروف بقول الشاعر الأستاذ علي الجندي:

يفنى الذي تركوه من ذخائرهم

وما تركنا على الأيام مدخرُ

وكان لي مع - أبو إبراهيم - الشيخ عبد الله ذكريات قديمة جميلة لا تبرح خاطري مدى عمري أيام كنا نتلقى مبادئ العلم من سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم، وعلى أخيه فضيلة الشيخ عبداللطيف بعد صلاة الفجر مباشرة بمسجد الشيخ محمد بن إبراهيم بدخنة..، الذي كان يعج بطلبة العلم - آنذاك - وفي جامع الرياض الكبير بعد صلاة المغرب لدى والده الشيخ إبراهيم بن سليمان الراشد قاضي المحكمة الكبرى وإمام المسجد - رحم الله الجميع رحمة واسعة - كما سعدت بصحبته وقت ذهابنا إلى مكة المكرمة لطلب الالتحاق بدار التوحيد من فضيلة الشيخ محمد بن عبد العزيز المانع مدير المعارف المشرف على الدار وبعد المقابلة واختبار القبول ذهبنا إلى الطائف وسكنا معاً في أحد البيوت القديمة بمحلة اليمنية الواقعة شرقي مسجد عبد الله بن عباس - رضي الله عنه - مدة أكثر من نصف شهر بإيجار قدره ريال واحدُ يومياً.. انتظاراً لبدء الدراسة هناك..، وكان الشيخ سبباً مباركاً في دخولي دار التوحيد عام 1371 هـ ، ولكنه لم يتم له الالتحاق بدار التوحيد حيث ورده من والده الشيخ إبراهيم برقية عاجلة ليتوجه إلى الرياض استعداداً لمرافقته إلى مدينة وادي الدواسر حيث عينه جلالة الملك عبد العزيز طيب الله ثراه - قاضياً بها ، فلم يتردد في تلبية دعوة والده رغم شفقته على دخول الدار التي شجعني بالذهاب معه إليها. وقد سمّح الله أمره بسبب طاعته لوالده - البصير الذي لا يبصر- فالتحق بالمعهد العلمي بالرياض بعد عودته حتى نال الشهادة العالية بتفوق بكلية الشريعة عام 82-1383هـ ثم تولى التدريس بوزارة المعارف فترة وجيزة، بعد ذلك اشتغل بالتجارة، كما أسلفنا. كما أنست بصحبته في الحج عدة مرات فهو يتحمل الكثير من نفقات سفرنا إلى مكة المكرمة رغم قلة المادة لديه آنذاك - جزاه الله عنا خيرا- ومن الطريف بجهلنا أو نسياننا: أول سنة نحج سوياً صادف وقت صلاة المغرب ونحن قُبالة شاطئ البحر بجدة فأقام الصلاة ثم كبرنا نحو مغرب الشمس، فحينما شرع في قراءة الفاتحة صاح بنا شخص من نفس المنطقة قائلاً : يا هووه إيش الصلاة كذا ما انتم مسلمين؟ فخجلنا كل الخجل ثم أدرنا ظهورنا إلى البحر مستقبلين بيت الله الحرام..، ولنا مع الصديق الحبيب ذكريات جميلة وطرائف لا يتسع لها المجال الآن..، مُختتماً هذه العجالة بهذه الأبيات الثلاثة لتطعيم كلمتنا هذه:

أبقى مكارم لا تبيد صفاتها

ومضى لوقت حِمَاِمِهِ المقدورِ

أصبحت مهجوراً بحفرتك التي

بدلتها من قصرك المعمور

بَلْيَتْ عِظامك والصفاح جديدة

ليس البلى لفعالك المشهور

غفر الله لأبي إبراهيم وأسكنه عالي الجنان وألهم أبناءه وبناته وأخيه عبد العزيز وزوجاته وجميع أفراد أسرته ومحبيه الصبر والسلوان.

وأودعه بقول الشاعر:

لئن بليتَ فلا يبلى نداك ولا

تُنسى وكم هالك يُنسى إذا قَدُما

تقاسم الناس حسن الذكر فيك كما

تركتَ مالك بين الناس مقتسما


 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد