Al Jazirah NewsPaper Wednesday  11/11/2009 G Issue 13558
الاربعاء 23 ذو القعدة 1430   العدد  13558
الرجال صنيعة أمهاتهم
مي عبدالعزيز عبدالله السديري

 

تشكو المرأة في مجتمعنا العربي وتتذمر من هذا المجتمع باستمرار، وحالما يبدأ نقاش بين المرأة والرجل ترفع صوتها قائلة إن مجتمعنا هو مجتمع ذكوري، ظالم للمرأة، وفي هذا المجال أستميح القارئة المعذرة إذا قلت -مع الأسف- إن المرأة العربية هي التي تصنع الرجل الذي لا يحترمها.

1) إنني امرأة وأؤيد المرأة وأقف إلى جانبها وأدافع عنها ولكني أعترف أنني صناعة امرأة ولست صناعة رجل، وإذا أردنا أن نكون موضوعيين فلا بد من أن نصف العرب بأنهم صنيعة أمهاتهم بشكل عام وأن الأب العربي لا يتولى التربية المباشرة في البيت بسبب مسؤولياته التي يتحملها خارج المنزل، تلك المسؤوليات التي تستغرق جل وقته، وهذا يعني أن علاقة الطفل المباشرة مع أمه التي تنمي عنده عادة عدم مواجهة الواقع وتحمل المسؤولية.

2) البيت في الأساس هو بيت المرأة وينشأ الطفل العربي في كنف هذا البيت الذي يرحب دائما بأهل الزوجة الذين يتوافدون في معظم الأحيان ولهم الحظوة والحالة معكوسة بالنسبة لأهل الأب وأقاربه، فإذا جاؤوا تتعامل الزوجة معهم كالغرباء، ضيوفاً ثقيلي الظل، وبالفعل نجدهم يجلسون في المجلس دون أن يكون لديهم حرية الحركة في البيت ولا حتى للخروج إلى الحديقة، وحتى الأولاد يتعاملون معهم بحذر ونجد أن الطفل يتقرب دائماً من أهل أمه وأقاربها ويلتصق بأمه أكثر من تقربه لأبيه، وبعد فترة يكون هناك فجوة في الثقافة التي يتلقاها الطفل من أمه وتلك التي يريدها الرجل، نرى أن الأم العربية تحاول دائماً أن تكسب الأولاد على حساب الأب، وإذا وقع الطفل بمشكلة ما فإنه لا يلجأ إلى أبيه بل إلى أمه، فما معنى هذا؟ لا تفسير لذلك سوى أن الطفل يثق بأمه أكثر من ثقته بأبيه.

الأم العربية، وطبعاً لا أعمم، تبتعد عن جميع أهل الأب وهم متهمون دائماً ويراقب الطفل هذا السلوك ويشاهده في مناسبات عديدة، ويوماً بعد يوم حتى يتشكل لديه إحساس بعدم الأمان إذ إن أمه تنشئ فيه شخصية مزدوجة، يطلب الأب أحد أقربائه أو فرداً من عائلته على الهاتف فتقول الأم للابن (قل له إنه غير موجود أو إنه نائم) ويسجل الطفل في نفسه هذه الحادثة (أمي تكذب) وتتكرر الحالة حتى يصل الأمر إلى أن الطفل يتعلم الكذب ويبرر ذلك بأن أمه تكذب، وهكذا يتعلم الطفل الازدواجية وبالتالي كيف نطالب هذا الطفل أن يسلك سلوكاً سوياً؟ تتكلم الأم على بيت أهل زوجها بأسلوب غير حضاري وتغتابهم والطفل يسمع ذلك ويسجل فيتعلم الغيبة، وبهذا فإن الأم لا تعلمه المواجهة وتحمل المسؤولية.

نحمل الطفل مسؤولية لا ذنب له فيها، تشتكي الأم من الأب أمام طفلها الذي لم يكن له علاقة في اختيار الأم لذلك الأب، إنها الأم، هي التي اختارت ذلك الأب وهي تتحمل كامل المسؤولية.

روت لي إحدى الأمهات ما دار بينها وبين طفلها من حديث حول الأب الذي لم يكن موجوداً في البيت، فقالت إنها كانت متضايقة وبدأت بإلقاء اللوم على الأب قائلة.. إنه لا يهتم في البيت، ولا يهتم بالأولاد، اطلب منه ما يحتاجه البيت فلا يلبي الطلب إلا بعد فترة طويلة.. إلخ، فما كان من الطفل إلا أن يسألها بصوت مرتفع: يا ماما.. يا ماما.. لماذا لم تختاري لنا أباً غير هذا الأب؟ لم تستطع الأم الإجابة على سؤال الطفل.. نعم هي المسؤولة لأنها اختارت ذلك الأب بمحض إرادتها.

لماذا نحمّل الطفل ما لا طاقة له به ونشعره بالذنب؟ والدليل على ذلك أن أغلب العوائل العربية وعن طريق الأم تتكلم بلغة تحريضية على الأب بدلاً من أن يكون التوجيه نحو الثوابت المضيئة، وفي بعض الأحيان نسمع كلاماً جميلاً من هذه الأم ولكننا لا نرى ترجمة فعلية لذلك الكلام.

3) إنني أستغرب غاية الاستغراب وأشعر بالدهشة كيف أن الأم العربية تربي أولادها بطريقة تؤدي إلى عدم احترامهم لها، وهي دائمة الشكوى!! هناك عنصرية، الرجل لا يحترم المرأة.. علماً أنها هي التي صنعت ذلك الرجل الذي لا يحترمها!! إنها هي المسؤولة الأولى عن النتيجة.. نسمع كثيراً عن المجتمع الذكوري عند العرب، فمن هو الذي صنع هذا المجتمع؟ إنها الأم بكل صراحة وإني لا أتجنى على الأم إذا حملتها المسؤولية فهي التي تفرق في المعاملة بين الأخ وأخته فتعطي الأولوية لابنها الذكر، وتسخر الابنة لخدمة أخيها وبالتالي فإن هذا الطفل ينشأ على ثقافة خدمة أخته له وبمعنى آخر أنه صاحب الكلمة العليا والقول الفصل هو سيد الموقف.. هو يأمر وعلى أخته الطاعة وإن لم تفعل.. يا لطيف.. كلنا نعرف ما يجري في البيوت العربية بالنسبة لهذا الأمر إن مثل هذه التربية والتعامل مع البنت أمر يتعارض مع قول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم (رفقاً بالقوارير) وما هي نتيجة هذه التربية بالنسبة للذكور؟ عندما يواجهون الحياة تجد أنهم يقفون عاجزون عن إيجاد الحلول للمشاكل التي تعترضهم في حياتهم العملية.

4) قبل مائة سنة، كان هناك تربية أفضل من تربيتنا اليوم.. إذ إن الأب كان يتولى تربية الذكور، وتتولى الأم تربية الإناث، الأب يأخذ ابنه معه إلى الحقل إن كان مزارعاً ويأخذه إلى الصحراء إن كان بدوياً ويأخذه إلى المتجر إن كان تاجراً ويأخذه على الكتّاب فيرافق الطفل شيخه.. وهكذا نرى الطفل يلتصق بأبيه طوال الوقت، ويلعب العامل الاقتصادي دوراً هاماً في ذلك الوقت.. لم يكن هناك حاجة للجامعة في ذلك الوقت كان يقال: فلان تلميذ الشيخ فلان، الحسن البصري تلقى علوماً مستقاة من النبي صلى الله عليه وسلم وبهذا حصل على علم موثّق.

كانت تربية الإسلام في الماضي أكثر نجاعة من تربيتنا الآن، لقد احترم الإسلام المرأة فكانت وفاة السيدة خديجة (عام الحزن) وهذه شيماء بنت عمر بن الخطاب تقوم بدور ما نسميه اليوم (وزيرة التجارة)، وفي عهد الخليفة الذي أطلق عليه مسمى (الفاروق)، وهذه أسماء بنت أبي بكر تذهب إلى غار حراء وحدها لتأخذ الطعام إلى النبي وإلى والدها، وهذه عائشة تقوم بدور المربي والمعلم وكان لها تلاميذ.

إن دور الأم عظيم جداً، وإذا كان الرجل لا يحترم المرأة في مجتمعنا فإن ذلك ناجم عن تربية الأم لأطفالها، إذ إن الوقت الذي يقضيه الأب مع أولاده لا يقارن مع الوقت الذي تقضيه الأم، فهي التي تعلم أولادها كيف يتصرفون في هذه الحياة حيث نجد الأم لا تسمح للطفل بممارسة أي شيء.. دائماً أوامر.. تعليمات.. لا تعمل كذا.. ابتعد عن.. توقف عن.. وهكذا تعلمه الخوف من كل شيء لدرجة أنه يصبح عاجزاً عن ممارسة أي نشاط لأنه لا يمتلك التجربة.

الطفل الذي يضرب سيء.. والذي يُضرب جيد وهكذا عكس التربية الغربية واليهودية، ولذلك عندما نكبر نجد أننا لا حيلة لنا في الدفاع عن أنفسنا.. فكيف نطلب من أطفالنا أن يكونوا رجالا عند الكبر طالما أننا لا نزودهم بأية تجربة في صغرهم.

أقوال:

وبهذه المناسبة أود أن أذكر بعض ما قيل بخصوص تربية الأم التي تعتبر حجر الأساس لأي مجتمع.

* بعض الأهل يعلمون أطفالهم السير في الصغر والحبو في الكبر (برنارد شو).

* يبدأ الأطفال بحب الآباء ثم يحكمون عليهم ونادراً ما يسامحونهم وكأننا نربي أولادنا لخدمتنا ولا نربيهم للدنيا (أوسكار وايلد).

* يكاد يكون لعظماء الرجال جميعاً أمهات مميزات (جون آدم).

* سُئل إبراهام لنكولن: ما هي أعظم امرأة؟ فقال أمي.

* قلب الأم مدرسة الطفل (بيتشر).

* يكون الرجل في كبره كما هيّأته أمه في صغره (قاسم أمين).

* بعد فقد والدتي فقدت يداً حانية كنت أجفف بها عرق المسير (جبران خليل جبران).

* إن أولادكم ليسوا بأولادكم، إنهم أبناء الحياة، وبناتها وهم لا يأتون منكم، فما أنتم إلا الواسطة وهم وإن كانوا معكم فهم ليسوا لكم (جبران خليل جبران).

* مهما يفعل الأب فإنه لا يستطيع أن يجعل ابنه رجلاً لأنه على الأم أن تأخذ نصيبها من ذلك (مثل يوناني).

* ما من هدية نقدمها لأوطاننا أفضل من تربية صغارنا وتثقيفهم.. قد تنتهي دراسة الجامعة وتبقى محتاجاً إلى التربية (شيشرون).

* ومن الأمثلة: احترس ممن يبدو غبيا على الدوام.. يستخدم ذكاءه في مواقف لا تمكنك الخلاص منها.




 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد