Al Jazirah NewsPaper Wednesday  11/11/2009 G Issue 13558
الاربعاء 23 ذو القعدة 1430   العدد  13558
رحلة مع اعترافات مصطفى محمود رحمه الله
د. عبدالمحسن بن محمد الرشود

 

على الرغم من أن الكاتب المصري الفيلسوف الفنان مصطفى محمود دائماً ما يضع الحلول للمحبين، والراغبين في الزواج، والمتزوجين إلا أنه فشل في زواجه مرتين، وبقدر ما نراه وديعاً وبسيطاً، إلا أنه تحمل بقاء جثة إنسان ميت تحت سريره مدة (ستة أشهر).. وعلى الرغم أيضاً من أن الشيوعيين رفعوه إلى عنان السماء بعد صدور كتابه (الله والإنسان).. إلا أن عودته للإيمان بالله سبحانه وتعالى جعلتهم يقولون عنه إنه (درويش) و(أهبل).. وعلى الرغم من أنه طيب ورقيق ومسالم، إلا أن تلكم الصفات الرومانسية لم تمنع زوجته من أن توقظه ليلا وتنهال عليه ضرباً!!

- إن أكثر ما يؤذي مصطفى - رحمه الله - هو كثرة الشائعات حوله، والتشكيك في إيمانه بالله سبحانه وتعالى من عدمه، ووصفه بالإلحاد، والشيوعية.. لذا يقول: (أشيع عني الكثير ومنه أنني سافرت إلى كندا وغيرت ديني وأنني أتعبد في الدير عبادات مشبوهة).. وأردف (إن الرموز الإسلامية، أو العائدة للإسلام، غالباً ما تكون هدفا للأعداء بالتشويه، أو إلصاق التهم والشائعات ومنهم اليساريون، الشيوعيون، والصهاينة، ولقد كتب محمود خمسة كتب عن حقائق الشيوعية قبل أن تنهار بالفعل، وهذا ما يميز هذا الفنان الذي يستنطق ما يقرأ، ولذا قد نراه متفردا على من أمطرونا بالحديث عن الشيوعية، وانهيار جدرانها الأربعة، عندما سقطت بالفعل، ولذا عندما انتهى د. محمود، من كتبه عن الشيوعية وانتهى كل شيء ولم يعد لدى الشيوعيين ما يقولون بدأوا في تلفيق التهم حوله.

منذ عام 1957م دخل مصطفى محمود في مرحلة جديدة وطويلة مع النفس في مراجعة وتأمل، قادته إلى أن يأخذ من كل قنوات العلم والفكر، والدين، وانتهى إلى القرآن الكريم، الذي قال انه وجد حقيقة الإيمان فيه ووصلت قراءته منتهاها إلى الوقوف على أرض صلبة وقلب مفعم بحب الله سبحانه وتعالى، حيث لا أثر فيه لأدنى شك.

وقد وجد أن (الفيزياء) عاجزة عن تفسير شيء كالحياة والموت، لذا استعان بالفلسفة ووجد أن الفلسفة بحاجة إلى فلسف لتفسرها، ومن ثم درس الكتب المقدسة، فلم يجد ضالته، إلا في القرآن الكريم.. ومما يؤثر عن مصطفى قوله (أنا عمري ما شككت في وجود الله سبحانه وتعالى وانه الواحد الأحد القهار. ولم ينتبني الشك مطلقا في القدرة الإلهية وأنها تدير هذا الكون الكبير من حولنا، وان هذا الكون باتساعه الكبير هو خير برهان، ودليل على وجود الخالق الأعظم فهو يفصح ويثبت ويبرهن ويهتف لا إله إلا الله، محمد رسول الله وحينما صدر كتاب محمود رحمه الله (الله والإنسان) في رمضان 1956م تمت مصادرته حيث اتهمه كثيرون بالإلحاد بل إن محمود أمين العام هنأه بمقالة يمجده فيها، وما لبث د. محمود أن عدل وعرف الطريق السليم آنذاك، أوشك الكثير ممن خالف رأيهم أن يفتكوا به، واتهموه بالردة الاجتماعية، والنكسة الفكرية، ولقد سبق أن كتب قصة في (صباح الخير) عن رجل (زبال).. فأصبح من خلال أقلام الشيوعيين أعظم كاتب.. بل قالوا إنه تشيكوف عصره.. وكان في غاية الاندهاش إذ كانت القصة بالنسبة له لا تعدو أن تكون قصة عادية للغاية.. بل إن الشيوعيين آنذاك وضعوا القصة في سلسلة اسمها الغد ووصفوها بأنها من عيون الأدب المعاصر.. ولم يكتف د. محمود بالكتابة بل دخلت في حوارات ومجادلات مع محمود أمين العالم وأفحمه، وتناول آراءه في ندوة عُقدت أيامها في الجامعة الامريكية بالقاهرة.. وكذلك واصل د. محمود قراءاته العميقة لسقراط، وافلاطون وارسطو، وهيجل وماركس وتمعن ووقف طويلا في الغيدات الهندية والبوذية والزرادشتية. وعن سقوط الشيوعية آنذاك، كتب في أخبار اليوم المصرية: (مات الفكر الماركسي بالسكتة في ساعة زمان ودون أن تطلق رصاصة تحية لجثته بمجرد أن الشعوب سمح لها بالكلام، ولم تكن البرجوازية هي التي لعنت ماركس هذه المرة بل العمال والفلاحون والبروليتاريا، والكادحون في المناجم، والطبقات المطحونة التي زعمت الماركسية أنها جاءت لنجدتها). ومضى في مقاله يطالب (بجلاسنوست) (المصارحة والمكاشفة) عربي بين المثقفين العرب الذين كرسوا أنفسهم لخدمة الفكر الشيوعي الفاسد، وان يتراجعوا أمام الحقائق التاريخية الجديدة. ولأعطي صورة عن بعض الجدليات في حياة د. محمود الفكرية موقفه حينما هاجمت الكاتبة بنت الشاطئ طريقته في تفسير القرآن الكريم واتهمتها بأنها طريقة (عصرية): رد عليها بأن مسألة التفسير العلمي ليست عامة، وإنما الآيات الكونية بالذات وهي آيات محدودة تتناول الفلك والنجوم والسموات والطقس والأجنة، ولضرب مثلاً بتفسير الآية الكريمة {الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ}بأنه لا يمكن اتخاذ الشجر الأخضر وقودا غير أن المقصود أن الشجر اأاخضر مرتبط بمادة (الكلوروفيل) الذي هو في حقيقته، تمثيل كلوروفيلي يقتنص طاقة الشمس ويخزنها نشويات في جسم الشجرة وساقها. وهذا اللغز قد تم كشفه عن طريق علوم النبات.. ويقول: الحقيقة إننا لا نشغل في الشجر الأخضر ولكن نشغل في الخشب الناشف.. أن هذه الخضرة لها دور يتمثل في أنها تأخذ ضوء الشمس وتحوّله إلى طاقة وتختزن هذه الطاقة في جسم النبات..

ورغم هذه المعارك الأدبية والفلسفية والثقافية التي خاضها د. محمود رحمه الله، وكثرة أعدائه سواء من المحافظين أو المحدثين وخروجه في النهاية منتصرا في معاركه وطموحاته ونجوميته، إلا انه كان في طفولته ضعيفا مريضا يجد عالمه في الفكر والأحلام.. ولد في مدينة (شبين الكوم) في 20 ديسمبر 1921م وانتقلت إلى أسرته إلى طنطا، وكانت أمه الزواج الثالث لأبيه، وكان أبوه الزوج الثالث لأمه، وكانت والدته سيدة منزل مدبرة وحازمة، ومرتب أبيه لا يتجاوز 80 قرشاً.. نشأ عاطفياً جداً، وبدأ معه الحب وعمره لا يتجاوز سبع سنوات وأحب ابنة جيرانهم (عدلية) حب الطفولة حيث كانت جميلة وعمرها مقارب لعمره.. كانت تعجب بمواهبه وكان صوته جميلا ويحكي حكايات من وحي الخيال والخاطر، حيث كان مطلوبا من كل طفل أن يقول قصة، وكانت قصصه هي التي تفوز دائما.. فكانت كما يقول (تنظر إلي نظرة لم انسها حتى الآن) ولقد أهدى عدلية كتاب محفوظات، وأهدته (فيل عاج صغير) وكثيرا ما يضربه أولاد حارتهم بسببها. واستمر محبا لها طيلة مرحلة طفولته.. وعندما دخل الثانوية تحول اهتمامه بالعلم إلى منهج حياة ومستقبل ومصير!! وأخذته الحياة عن كل ما سواه..

ولعلنا نورد جزءاً من هذه الاعترافات التي قال فيها د. محمود رحمه الله انه من فرط حبه للطب والمشرحة كان أول طالب يدخل المشرحة وآخر من يغادرها، وأطلق عليه (المشرحجي). بل انه في الإجازة اشترى نصف إنسان ميت بـ60 قرشا من كلية الطب، حيث هناك موتى بلا أهل يفرغ الدم من أجسادهم ويوضع بدله صبغة ثم تحقن الجثة (بالفورملين) وتوضع في حوض لفترة عملية (التحضير) وحمل مصطفى الميت تحت إبطه بعد أن وضعه في (باطو) ووضعه في صحن من الفورملين لكي ينشف ووضعه تحت سريره، وعاش ستة أشهر.. وبعيدا عن الطب والفلسفة يروي مصطفى بان علاقة الحب الحقيقي الأولى في حياته بالحب الجنوني والغيرة التي كانت دائما تنتهي بخلاف أدى إلى انفصالهما حيث وصفها بأنها (فتاة صغيرة معصفرة) تحب كل يوم تطير على شجرة وهو لا يحب ذلك.. ويقول انه يتذكر الحب الأول جيدا لأنه كان عنيفا ولأنه أي الحب انقطع فجأة بثورة عارمة ويقول انه لو رآها مرة أخرى سوف يحبها لأنها تعطيه إحساساً بالحنين القديم فلا تزال لها مكانة في قلبه ونفسه..

ومما استغربه أن د. مصطفى محمود الذي ألف كتابا عن الحب (55 مشكلة حب) وحل كثيرا من مشكلات العشاق، إلا انه فشل في حياته الزوجية.. يقول انه تزوج مرتين فشل فيهما وهو يلتمس لهما العذر.. لأنه لديه مشكلتين فإضافة إلى انهماكه في الكتابة والتأليف فهو منهمك أيضا في الطب ومراكز البحث العلمي المتقدم ومستشفى محمود يأخذ جل أوقاته، وهو ليس ملكا للمرأة.. ومن الصعوبة أن تتحمل زوجة أن تعيش مع إنسان مستغرق بكل كيانه في العمل.. ولأنه متدين قرر بعد أربع سنين من العزوبية الزواج مرة أخرى لحاجته إلى إنسانة يأنس بها.. فتزوج مأمورة ضرائب وكان ثالث زواج لها واسمها زينب، وكان سبب زواجه منها أنها تفكر في نفس أهدافه وبعد أربع سنين حلت من حياته واكتشف أنها إنسانة عادية تريد أن تعيش الحياة وحياته كانت قاسية جدا عليها حيث كان يعيش في حجرة جامع..

وما زالت الإشاعات تطارد هذا العالم الذي عرفناه ونحن صغارا في الثمانينيات الهجرية، ببساطته المتناهية، وإقبال الأميين قبل المتعلمين على برنامجه الشهير العلم والايمان.. تقول أمل ابنة العالم الراحل (في هدوء شديد رحل بلا أي مقدمات سوى تدهور الحالة الصحية التي أُدخل على إثرها العناية المركزة في مستشفاه، كان نائما في سكينة تامة لكنه لم يستيقظ مرة أخرى رحل بهدوء وكنت معه طوال الليل بجانبه في سريره ولم يتحدث مع أحد.. واستنكرت ما أشيع عنه من فقدان الذاكرة أكثر من مرة قبل وفاته.. وهو أمر مستغرب فعلا برغم ان هذا العالم امتنع عن استقبال الناس منذ حوالي خمس سنوات وأصبح يفضل البقاء في المنزل بجوار أولاده وأحفاده حتى أيامه الأخيرة.. رحم الله مصطفى محمود فقد مثالا للعالم المسلم الفيلسوف الداعية الإيمان القائم على الفكر والعلم والتدبر والإبصار.. ولعلنا نتذكر أيها الأحبة تعليقاته الجميلة عندما يقول معلقا على كائنات حية كيف تتعامل وهي حيوانية (بص بص شوف القرد بيعمل إيه مع القردة!!) رحمك الله رحمة واسعة وغفر الله لك وألهم أهلك الصبر والسلوان.. إنه جواد كريم.




 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد