الرجال الكبار مثل الأحداث الجسام، لا يعبرون الذاكرة بسهولة؛ بل يبقون فيها لا يبرحون إضاءاتها وسجلها، لكنهم قلة، شأنهم في ذلك شأن النوادر؛ فالزمان لا يجود بهم في كل حين، فلكل إنسان أخلاق، إما أن يملك الناس بها أو أن ينفر الناس منه.
ومعالي الشيخ محمد بن سويلم - رئيس شؤون المواطنين في الديوان الملكي - من طراز النادرين الراسخين في ذاكرة المتعاملين معه؛ فهو لين الجانب مع المواطن، طلق الحجاج مع الناس، رطب اللسان، طري الابتسام لجمهور المواطنين، لا يعتريه كبر ولا يُنغص بشاشته للجميع كلل وملل، ولا يطرأ في سلوكه تغير ولا تبدل، كما يعتقد أن المناصب تتقلب معها النفس، فهو معطاء للصغير والكبير، لا يشيخ كرم نفسه في تمثيل منصبه خير تمثيل، فشؤون المواطنين شأنه الأهم، وتيسير أمورهم شغله الشاغل.
أذكر منذ نعومة أظافري، وفي سن الصبا، أن والدي الشيخ عمش بن شخير بن طوالة كان يتحدث بحميمية وإعجاب عن معالي الشيخ محمد بن سويلم - رعاه الله -؛ فما إن يذكر معاليه في مجلسه حتى يشكر فعله وقوله ونفسه الطيبة الندية، وكان يجيب محدثيه فيقول: إن من يدخل الديوان يشعر بأنه الأقرب إلى معاليه لما يلقاه منه من حرارة الترحيب وسعة الصدر وكرم الاستقبال وعظيم الاستماع؛ فلا يرد بابه أو نفسه أمام ضعيف أو فقير أو شيخ أو مراجع أتى من أقاصي بلادنا الشاسعة، فهذا ديدنه وهذا أمره مع كافة القادمين إلى الديوان، وهذا ما شعرت به من أول لقاء معه، الذي رسخ معرفة عميقة به؛ فالأرواح جنود مجندة، وكان والدي يذبُ عن معاليه سلوك التطبع فيقول - وأنا أستمع بشغف -: لو كان فيه من التطبع لأصابه كلل وملّ وظهر ذلك في هفوة مع هذا أو ذاك، فهو رجل ثابت الطبع كريم الأخلاق، فقد عرفته معرفة النفس للنفس، وقربت منه وكنت في البداية أستغرب منه هذا العطاء الممتد من القول حتى الفعل الذي لا يشوبه تعال أو فتور، وكنت كلما قربت من شخصه أكثر ذهب هذا الاستغراب.
كلام والدي عن معالي الشيخ محمد بن سويلم له من الزمن سنوات عمري.. لكنني رأيته رأي العين وأدركته إدراك الإعجاب ولمسته بمشاعري حين دخلت مثل أي مواطن الديوان الملكي لأتشرف بالسلام على سيدي خادم الحرمين الشريفين - حفظه الله ورعاه - فحين عرفته باسمي كاملاً أظهر لي العلاقة الأخوية العميقة والطيبة مع والدي، وشملني بنفسه الكريمة، ورأيت - ولم أسمع هذه المرة - ومعاليه يرحب بالكل ويسمع مطالبهم ويشير لكل طلب مهما كان صاحبه على خشمه قائلاً: (سم سم على هالخشم) كما هو متعارف بين الرجال، وشاهدت معرفته بالقبائل وبالأنساب على أرض الواقع، فيخاطب الجميع بما يحبون وليس كما يحب ويفرضه مقتضى المنصب، وأدركت أن هناك رجالاً قد يغيرون الزمن ولكنهم لا يتغيرون، وهنا فرق بين الجبلة والتصنع.
وقد نقل لي أبناء العم الشيخ محمد بن شخير بن طواله - رحمه الله - مدى حزن معالي الشيخ وعمق الأسى والتأثر حين عزاهم - جزاه الله خيراً - بوفاة والدهم - أسكنه الله فسيح جناته - فهذه صداقة الرجال الأوفياء، وهذه هي العلاقة المتميزة التي حثنا عليها ديننا الحنيف وأمرنا بالتعامل بها مع كل من حولنا. وقد أصبح معالي الشيخ محمد بن سويلم لي ولأخواني ولأبناء عمومتي وللكثير من الناس بمثابة الوالد والقدوة، وأحسن به من رجل لا يخيب قاصده.
كما تشرَّفت بالتعامل مع ابنه الشيخ مشاري بن محمد بن سويلم - حفظه الله - الذي رباه والده على حسن الخلق ولين الجانب ولطف التعامل والأسلوب الراقي؛ فهو يحمل صفات والده الطيبة، ويعمل على خُطاه، ويفرح بخدمة الجميع، ويسعى لكسب رضاء الله ثم رضاء الناس وتقديرهم واحترامهم؛ فهو والله يغمرك بلطفه واحتفائه بك، ويُشعرك بأنك ضيفه في بيته ولست مراجعاً في مقر عمله حفظه الله.
والشكر لسيدي خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز على حسن اختياره الرجل المناسب ووضعه في المكان المناسب، وتوصيته الدائمة لمعالي الشيخ بتسيير أمور المواطنين وأخذ عرائضهم وتلبية طلباتهم.
فهنيئاً لنا بهذه القيادة الكريمة الحكيمة وهؤلاء المسؤولين المخلصين، حفظهم الله من كل مكروه، وحفظ بلادنا من كل سوء، وأدام رايتها خفاقة بكلمة الحق.