Al Jazirah NewsPaper Sunday  15/11/2009 G Issue 13562
الأحد 27 ذو القعدة 1430   العدد  13562
رجال في حياة المؤسس (2-2)
عبدالرحمن بن سليمان الرويشد

 

وفي حقيقة الأمر أنها المدافع والرشاشات التي قدمتها بريطانيا للملك عبدالعزيز بمناسبة زيارته للبصرة عام 1335هـ (1917م) مستعجلين عبدالعزيز للانقضاض على حائل، لكنه لم يستجب لهم.. و(شلهوب) من رجال عبدالعزيز الذين يعرفون جيداً أن أولئك القادمين يعمل أكثرهم في دوائر المعلومات (المخابرات)، وقد يتجاوز بعضهم حده، فيتظاهر بالتباهي بالحديث عن تحضره، وعلو كعبه في المعرفة وحداثة الثقافة.

وفي صالة الاستقبال الخاصة بشلهوب، التي هي عبارة عن ديوانيته المعدة لاستقبال الضيوف.. كان فيلبي جالساً، وحوله شخصيات من عِلية القوم، بينهم الشيخ عبدالرحمن القصيبي (وكيل الملك عبدالعزيز في البحرين) فدار الحديث عن الطقس، فأشار فيلبي إلى ما تحدث به في الليلة الماضية عن الطقس، وأنه قد صدق فيما توقعه، فقال شلهوب: أنت تعلم في أمر كهذا أكثر مما نعلم، لكن عقيدتنا تستنكر الخوض في أشياء تتعلق بأمور الغيب.

وعندما زار الريحاني (شلهوب) في مخازنه، كان يتوقع أن يعرض عليه شلهوب سجلات الواردات والمنصرفات، فلما سأله عن ذلك قال شلهوب: (ما يرد نقيده، وما ينصرف نقيده، والبقية لا شيء)، ورفض أن يعطيه أية معلومة عما تحتويه مخازنه.

لذلك قال الريحاني: إن شلهوب أدخلني في غرفة ذكرتني بمخازن الرهون في لندن، ونيويورك، كل ما فيها مجهول. سألت شلهوب عنها فقال: غنمناها، ولا نعرف ما فيها.. إن (شلهوب.. يوسف في مصر الفراعنة).

وذكر فيلبي في كتابه (قلب الجزيرة العربية): إنه في أول قدومه إلى الرياض اجتمع بابن سعود، وعدد من أفراد عائلته، فدعا الملك عبدالعزيز (شلهوب) لمرافقة الجميع، ليقود المجموعة في جولتهم حول الأبنية، وأضاف أنه بعد جولة سريعة قصد منزل شلهوب؛ لتناول القهوة، ووصف ديوانية شلهوب بأنها غرفة أنيقة وواسعة، تقع في الطابق الأول، يكسوها سجاد جيد وفاخر، ووسائد ذات أقمشة هندية مزركشة، وبها موقد للقهوة يحوي عدداً من أباريق القهوة (الدلال) ومدخنة جميلة إطارها من خشب الأثل، مزينة بأزارير نحاسية، وأربع مرايا، وأربع شرائط من الصفيح، وضعت كل واحدة على جانب، وعلى حوائط المجلس عن جهاته الأربع علّقت صور ملونة لقارب سباق بثمانية مجاديف، كتب تحت تلك الصور: صنع في النمسا.. وذكر أنه كان معه في غرفة الجلوس تلك عدد من الزوار.. وكانت دار شلهوب في حي دخنة، على حافة الطريق المؤدي إلى بوابة الرياض الجنوبية، مفتوحة للزوار العديدين، كما يفرض عليه منصبه، مقابلة الكل واستضافتهم.

وكانت القهوة التي تقدم في غرفة الجلوس من أفضل أنواع البن اليمني، وكان ذلك النوع من القهوة يدّخر في مجالس الرياض للضيوف المميزين، وللزوار القادمين من الجنوب، الذين يشعرون بالإهانة إذا قدمت لهم القهوة المصنوعة من البن الهندي.

وقد حدثني ابن عمي (الشيخ سعد بن عبدالعزيز الرويشد) عن قهوة شلهوب قائلا: إنها كانت في فترة من الفترات تعد من أكبر المقاهي في الرياض، وكان يقدم فيها على مدار الأربع والعشرين ساعة القهوة والشاي وفاكهة الموسم، وكان الزوار الكبار للملك عبدالعزيز يقصدون تلك القهوة كل يوم في الصباح والمساء لقضاء بعض الوقت. وفي المساء خاصة جرت العادة أن يكون هناك فترة لا تقل عن نصف ساعة للقراءة الحرة في بعض الكتب المشهورة، من بينها كتاب البداية والنهاية، وكتاب الهدي النبوي لابن القيم، وكتاب الآداب الشرعية لابن مفلح. يتناوب القراءة كل ليلة مقرئان، أحدهما الشيخ محمد بن أحمد بن سعيد، والآخر الشيخ عبدالعزيز بن شلهوب، أحد طلبة العلم آنذاك.. وفي ليلة أخرى يقوم بالقراءة الشيخ سعد بن عبدالعزيز الرويشد، ومقرئ شلهوب الخاص سعد بن حسين، والد الأديب عبدالله بن سعد بن حسين، ويشهد تلك القراءة بعض من سكان دخنة، ومن ضيوف الملك عبدالعزيز، وهو تقليد معروف في بيوت الحكام، وقلدهم فيه كبار أتباعهم، وبعض شخصيات الرياض البارزين.

مهمات جسام

لم يكن (شلهوب) كثير الحديث عن نفسه ولا عن أعماله ومسؤولياته، ولاسيما بعد أن كبر سنه، وأصبح قعيد بيته، يتحرك على كرسيه ذي العجلات.. كان يحلو له أن يسعد من حوله بإطلاق النكات أو الحديث المعبر عن روحه المرحة، وقلما يسرد حديثاً يتصل بذكرياته أو قصصه القديمة، إلا عندما يُسأل من ضيوفه أو من بعض أبنائه، وقد روى لي بعض من حضر يوماً حديثاً له عندما سئل: ماذا فعل الملك عبدالعزيز بالأسرى الذين تمكن من القبض عليهم، بعد استيلائه على قصر المصمك، وقتل عجلان؟!

فأجاب شلهوب: قتل الملك عبدالعزيز المقاومين منهم في معركة الحصن، أما من استسلم فقد بعث بهم إلى أهليهم في إمارة حائل عبر قافلة كلفها بنقلهم، وكان على رأس تلك القافلة اثنان من رجاله الأشداء هما (سفيران ابن سفيران) و(عبدالرحمن بن طياش) ووجه تلك القافلة إلى ضرما، ثم إلى ثرمداء الموالية وقتها لابن رشيد، لإيصالهم إلى حائل.

وسئل مرة: ماذا رأيت عند وصولك إلى الرياض بعد دخول الملك

عبدالعزيز لها؟ فقال: كان وصولي إليها قد تزامن مع وصول كثير من أهلها الذين كانوا قد نزحوا عنها، وكان الكثير منهم مسلحاً بالبنادق والسيوف، وقد شاهدت مجموعة منهم لا تقل عن ستمائة رجل، قدموا مع سعد بن عبدالرحمن أخي الملك عبدالعزيز، وكنت من بين من وصل آنذاك، وقد انضممنا إلى جند عبدالعزيز الذي كان مشغولاً ببعث الرسل والمكاتيب إلى مختلف الجهات القريبة من الرياض، وقد شاهدت من بين أولئك الرسل عدة أشخاص منهم عبدالعزيز الرباعي وشخص آخر يدعى ابن جوخة، وثالث يدعى حقيب الشامري وعبدالعزيز بن إدريس المعروف بالقطان، وغيرهم

لا أتذكرهم.

وكانت الطرق آنذاك في نجد ولاسيما بين الرياض والأحساء أو طريق القصيم أو الكويت، لا تُعْبَرُ إلا بقوةٍ ورجال مسلحين، أو بدفع (الخوة) فالطريق مخوفة، وغير آمنة.. كان التاجر أو المضطر لتجاوز تلك الفيافي يقوم بدفع الخوة كلما اجتاز مرحلة أو مرحلتين من الطريق.

في تلك الحقبة كلف عبدالعزيز خادمه الأمين محمد بن صالح (شلهوب) لينضم إلى كوكبة مسيرته، ويتولى شؤون بيت المال والإشراف على شؤون الداخل، وجمع الزكوات المحلية، ومقابلة الزوار والقادمين، والقيام بشؤون القصر، وإعداد التجهيزات والمؤن (الزهاب) للغزاة، والعبي والفرش، والملابس للضيوف، وسكان القصر.. ومن ذلك المنطلق، وفي أفق المدينة، تضخمت مسؤولية هذا الأمين، ولاسيما بعد اكتمال ضم أنحاء نجد واسترداد منطقة الأحساء، وحصول المؤسس - رحمه الله - على منفذ بحري للبلاد، بعد أحد عشر عاماً من استعادته للرياض، وحين أوشك العالم أن يشهد وقوع الحرب العالمية الأولى.

النفس الكبيرة

عندما نتحدث عن رجل مثّل محطة تاريخية فإنما نريد أن نتحدث عن طراز من الإدارة يختلف عن الطراز الذي فرضه على حكم الملك عبدالعزيز انضمام الحجاز إلى بقية أجزاء المملكة.. مما جعل الملك عبدالعزيز يفكر في دمج ذلك الوضع الإداري الحضري الجديد في الحجاز، بالواقع الإداري التقليدي المتوارث في نجد؛ لوجود رابطة حقوقية وقانونية وتاريخية، تربط بين ذينك الجناحين، بل ويربط بينهما قبل كل شيء رابطة الدين والنسب واللغة.

ومن هنا بدت أهمية هذه الأسطر التي نكتبها اليوم عن أحد أقطاب النظام التقليدي المتوارث الشيخ محمد بن صالح (شلهوب)، أحد رجال الملك البارزين، الذي ظل يمارس في عمله ذلك النمط من الإدارة، إلى ما قبيل تدفق ثروة النفط، وهي مرحلة مهمة تمثل أهم مراحل الصمود والتحدي، ذات الطبيعة الشمولية.

وكان أن تمت توجيهات سيد البلاد بشأن ذلك الدمج على خير وجه، ولم تمض فترة وجيزة حتى زالت تلك الفروق الشكلية، وذلك في حدود عام 1345هـ (1927م). حين كان ابن سليمان يمارس أعمال مديرية المالية، فكان مديراً ثم وكيلاً. وصدر أمر بتوحيد المالية في البلاد جميعها، وذلك في السابع من شهر ربيع الأول عام 1346هـ (1927م).

وكانت الدوائر المالية آنذاك تتبع الحاكم الإداري في منطقته، كما كانت شبه مستقلة عن الدوائر الأخرى.. ويتم الصرف من وارداتها على الإدارة المحلية.. مما كان أيضا مبرراً واضحاً لذلك الدمج.

تمت تلك التوجيهات، وزالت تلك الفوارق، دون أن يحس المواطن،

أو المسؤول القديم بذلك.. وكان للملك عبدالعزيز فضل صناعة ذلك التحول.

وكانت تربط بين قطبي النظام الإداري القديم الشيخ محمد بن صالح (شلهوب) والنظام الإداري الحديث نسبياً الشيخ عبدالله السليمان روابط قديمة، ويجمع بينهما حب عبدالعزيز.. لذلك سادت بينهما المساندة، وأصبح مقر شلهوب في الرياض إلى جانب الملك عبدالعزيز. كما أصبح مقر عمل الشيخ عبدالله السليمان في الحجاز، واقتصر عمل شلهوب بعد ذلك على المسؤولية عن موارد خزينة الملك عبدالعزيز الخاصة في القصر العالي، الذي أصبح له ديوان خاص في إدارة المالية في الحجاز، في الإدارة الجديدة، إضافة إلى الحفاظ على النظام التقليدي، وهو أن الملك عبدالعزيز بعد وفاة والده الإمام عبد الرحمن عام 1346هـ (1928م) كان عندما يخرج من الرياض يترك المدينة في عهدة شلهوب، الذي يقيم في القصر الملكي، عند خروج عبدالعزيز من الرياض، حتى يعود من سفره.. سواء كان خروج الملك عبدالعزيز لأغراض حربية، أو للنزهة والصيد.

أمانة الشؤون العامة والمالية:

كان (شلهوب) مسؤول المسؤوليات والشؤون العامة، كما وصفه الأديب أمين الريحاني الذي زار الملك عبدالعزيز في الرياض عام 1341ه(1922م): إنه مسؤول عن صرف القوائم الطويلة من الهبات والنقود التي يأمر بها السلطان عبدالعزيز وشاهده الريحاني، وهو يوزع ثلاثة آلاف عباءة مذهبة تم شراؤها من سورية، في ذلك الوقت، وكان إلى جانب شلهوب عدد من الأتباع والرجال يساعدونه على أداء مهماته المتعددة والمتنوعة، من بين أولئك نائبه في توزيع المؤن والأغذية في الحضر والسفر والقائم على (الشونة) المخازن البرية المتنقلة للغزو والسرايا الشيخ عبدالله بن عبدالعزيز بن إدريس الملقب أحد أجداده ب(القطان). كما كان نائبه على توزيع الأسلحة والذخائر الشيخ عبدالله بن عبدالعزيز بن عسكر المعروف ب(السيد). أما نائبه في توزيع الملابس والعبي فقد كان محمد بن عتيق، وجمع كبير من الكتبة والمأمورين، من بينهم: عبدالرحمن بن محمد بن عساكر وعلي بن خميس وسعد بن عبدالعزيز ابن رويشد وعلي ابن شقير وعبدالعزيز بن شهيوين والحميدي وعلي القصيمي وعبدالرحمن بن مسلّم وتحسين ومبروك آل عبدالعزيز.

كما كان لشلهوب حق تفويض بعض الأشخاص للقيام بمهمات شؤون الصرف على القضاء الشرعي، ونظام المرتبات الشهرية، والإشراف على الأوقاف، واستلام المطبوعات الدينية وتوزيعها، وله ارتباط وظيفي محدد برئيس الديوان العام للسلطان عبدالعزيز في ذلك الوقت الشيخ ناصر بن سويدان، أحد ثقات الملك عبدالعزيز، الذي كان له خط جميل، ويحظى بكثير من المهابة والوقار، وقد شهد له بذلك أحد من كان يعمل معه، وهو الشيخ عبدالله السليمان، عندما سئل عنه، فقال: كان رئيسنا في الوقت الذي التحقت فيه بالسلطان. وهو من أهل الرياض، وأفضل من عرفت في حياتي، في دينه وسمته وإخلاصه وقوة شخصيته.

وكان الديوان آنذاك يدعى ب(المكتب)، ويدعى موظفوه ب(الكتّاب)، وهم أشبه بفريق (سكرتارية) تعمل لدى عبدالعزيز.. وكان أكثرهم قرباً لعبدالعزيز ناصر بن سويدان والشيخ محمد بن عبدالله أبو عبيد والشيخ عبدالعزيز بن قاسم والشيخ محمد بن سليمان أخو الشيخ عبدالله بن سليمان والشيخ صالح الصرامي.. كانت هذه المجموعة تمثل نشأة الديوان السلطاني للسلطان عبدالعزيز في الرياض، بداية حكمه. وتكليف (شلهوب) بالشؤون العامة والمالية.

الروح المرحة الوثابة

تحدث كل من عرف شلهوب، أو عاش بالقرب منه، عن مدى ما يحمله من روح مرحة، وحب للمشاركة في التندر والتفكه.. فهل فعلاً كان رجلاً فكهاً؟ أم أن ظروف التحدي التي واجهته كانت تستدعي أن يكون صبوراً مرحاً؟

ودعاباته الفكهة يتوصل بها أحياناً إلى تحقيق هدف دون أن يضر بها أحداً من باب الدعابات المقبولة.

ويظهر أن الأمر كذلك، وإلا لما وجدنا الرجل ينفذ بدقة وحزم رغبات المؤسس، على اختلاف تنوعها، دون أن يختل التوازن الإداري بين الحزم الذي وصفه الريحاني: إنه يصل عند شلهوب إلى مرتبة العذاب، وبين المرح الذي قال عنه: إن شلهوب لا يظلم أحداً. وليس في طريقته محاباة أو تفضيل..

إن التقارب النفسي والفكري بين الرئيس والمرؤوس استطاع تثبيت عدد من القيم، أهمها: الحب والرضا، جعل الاثنين يستمران في علاقتهما مدة طويلة، قلَّ أن يبقى فيها الانسجام قائماً، بين رئيس ومرؤوس في ظروف مليئة بالمشكلات والمصاعب، مرت بها الدولة في بدء تأسيسها.

إن ذلك القدر المشترك من الأخلاقيات التي يتنفسها كل من حول

عبدالعزيز جعل من ذلك الرجل ابتسامة لا تنطفئ، ولساناً ينطق بالظرف؛ فلا عجب أن نجد من الناس من يحفظ مئات الطرف والنكت عنه.. منها على سبيل المثال:

1) أبصر أحد العطارين، وهو في مخزنه، في سوق الرياض شلهوباً يمر في طريقه إلى عمله في القصر، فاعترضه طالباً منه أن يبلغ الملك عبدالعزيز عن حاجته الشديدة، وإن الموجودين عند دكان عطارته أكثرهم يشحذ الدواء، وبعضهم يشتريه ديناً، فضحك شلهوب قائلاً: سأمر بك غداً في مثل هذا الوقت، وسأقول كلمة واحدة هي خير لك من ألف أعطية، فانصرف العطار غير مقتنع بما يقوله شلهوب.. وفي الغد حضر شلهوب إلى دكان العطار، وقد تحلّق حوله عدد ممن يطلب الدواء، فصاح شلهوب في العطار: هاتِ.. هاتِ.. أعطني المزيد من الدواء الذي اشتريناه منك (للشيوخ) فتنبه العطار، ودس في يد شلهوب ورقة ملفوفة، فأخذ كل من حول الدكان يطلب من العطار أن يعطيه من ذلك الدواء، ولو بأغلى الأثمان، فأخذ العطار يبيع ما عنده، وشكر شلهوب على فعلته.

2) كان من مهمات شلهوب القيام بالأشغال العامة والمباني، وقد ألح عليه الملك عبدالعزيز في إنجاز دار تأخر موعد تسليمها، وهدّد شلهوباً بأنه إذا لم يفرغ منها بعد ثلاثة أسابيع فسوف يعاقبه بحلق لحيته، وكان ذلك العقاب من أشد ما يعاقب به المسيء.

وبعد فترة لفت نظر الملك عبدالعزيز منظر لحية شلهوب التي بدت مثالاً للإهمال، فلم تهذّب، ولم تشذّب، فصاح به: لم هذا الإهمال في مظهرك يا شلهوب؟ فأجابه شلهوب: إلى أن أتحقق أن هذه اللحية ملكي، فإن كان الأمر كذلك قمت بإصلاحها.. وإلا تركتها.. فضحك الملك.

3) في وقت من الأوقات، أصبح شلهوب مديناً لجميع تجار الرياض، حتى لم يبق أحد منهم إلا ويطالبه بالدين، وفي تلك الأثناء طلب الملك منه أن يؤمن له ثلاثة آلاف ريال فوراً لحاجته الشديدة، فعمد (شلهوب) لعالم غني من أهل الرياض، وبدلاً من أن يقترض منه، عرض عليه بأن الملك عبدالعزيز ينوي بيع أفضل بساتينه، لكنه لا يرغب أن يطلع أحدا على ذلك، وقد عرضه بأبخس الأثمان، بستة آلاف ريال فقط، تسلم نصف القيمة الآن، ونصفها بعد الإفراغ، على أن يكون الأمر سراً، فلا يطلع عليه أحد. فانطلت المحاولة، ودفع ذلك الرجل ثلاثة آلاف ريال، وكان يتصل بشلهوب بين فترة وأخرى طالباً الإفراغ ليتمكن من تسليم باقي المبلغ، وبعد فترة أحضر له شلهوب ثلاثة آلاف ريال قائلاً له: إن الملك عبدالعزيز قد عدل عن البيع.

الوفاة

ظل الشيخ محمد بن صالح (شلهوب) بعد وفاة رفيق دربه في الجهاد والسلاح الملك عبدالعزيز، محل تقدير مواطنيه ومجتمعه بعد أن أدركته الشيخوخة، حيث عاش عمراً مديداً تجاوز المائة، قضى معظمه في الأعمال الجليلة، والهبات الكبيرة، التي قدمها خدمة لدينه ووطنه. ثم غادر الحياة الفانية، وقد بلغ فيها ذروة المجد والذكرى الحسنة، التي وهب لها من صحته وشبابه وكهولته وجزء من شيخوخته، ما نرجو الله تعالى أن يكفر به خطاياه، وأن يجزيه الجزاء الأوفى.

وكانت وفاته في مدينة بيروت في شهر جمادى الثانية عام 1389هـ(1969م)، ونُقل جثمانه إلى مدينة الرياض، حيث صلى عليه الملك فيصل، وجمع كبير من المواطنين، وسكان مدينة الرياض.

وقد خلف عدة أبناء وأحفاد وأسباط.. أكبرهم ابنه صالح الذي كان يكنى به، وقد تولى بعض الأعمال إلى جانب والده.. وعبدالله أحد الأتقياء وحفظة القرآن الكريم.. وعبدالعزيز أحد طلبة العلم الشريف، الذي تولى قبل وفاته إدارة معهد الشيخ محمد بن عبدالوهاب العلمي.. وسعد أحد كبار مسؤولي إمارة الرياض في عهد أميرها السابق الأمير ناصر بن عبدالعزيز.. وخالد الذي تولى قبل وفاته رئاسة ديوان خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله عندما كان ولياً للعهد، ونائباً لرئيس مجلس الوزراء، ورئيساً للحرس الوطني.. ومساعد.. وعبد المحسن.. وفهد.. وعبد الرحمن.. وأحمد. وعدة بنات جليلات وأحفاد حصل بعضهم على درجات علمية كبيرة، ومراكز وظيفية وتدريس في الجامعات السعودية.

رحم الله شلهوب، وأسكنه فسيح جناته.






 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد