تتغنى معظم المجتمعات في العالم بتناغم مخرجات التدريب المهني والتقني مع احتياجات المجتمعات من الكوادر الفنية وارتباط ذلك بالتنمية الشاملة والعملية التنموية لأي بلد.
كما أن هذه الطموحات تعد مطلبا أساسيا للبناء التعليمي وما يقدمه من محتوى معرفي لأفراد المجتمع حيث تسد ثغرة مهمة في إعداد الفرد بدءاً من المرحلة الأساسية في الحياة المدرسية، وتستمر حتى نهاية المرحلة الجامعية من أجل تزويد الطالب بالمعرفة المهنية ذات المساس بحياتهم اليومية.
إلا أن مشكلتنا المهنية في المملكة العربية السعودية في تصاعد مستمر نظراً لما أشارت إليه الإحصاءات في أن معدلات البطالة بين أبناء المملكة قد تجاوزت نسبة 15% من إجمالي عدد السكان حيث أعلنت وزارة العمل في نتائج دراسة بحث القوى العاملة من أنها أوضحت أن عدد العاطلين بلغ 455 ألف مواطن في عام 1428هـ.
كما أن عدد الوافدين في المملكة لغرض العمل بلغ 7.3 ملايين وافد أي بما يعادل 50% من سكان المملكة.
وأيضاً إحصاءات تسرب المتدربين من برامج المؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني قد تجاوزت الحدود الطبيعية بمراحل لا يمكن السكوت عليها وزادت الأمر سوءاً حيث إن تسرب الملتحقين في برامج كليات التقنية وصلت لأكثر من 65% من إجمالي اعداد الطلاب الملتحقين على مدار السنوات السبع الماضية حسب إحصاءات المؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني.
وعند زيارتي خلال العام الماضي لكلية التقنية بالرياض وكلية التقنية بالخرج شاهدت عينة ليست بالقليلة أو بما يشبهه الظاهرة في ارتداء نسبة كبيرة من المتدربين الزي الرسمي الضيق الذي لا يليق بالرجل، وأيضاً عمل قصات للشعر لا تليق بالآداب العامة، حيث لم توضع لهذا الزي أي ضوابط فقد سألت بعض منسوبي الكليات عن ذلك وأفادوا بأنه لا يوجد مواصفات للزي الرسمي ولا يستطيعون أن يعملوا شيئاً في ذلك، وعندما نرى هؤلاء الطلاب (فالكتاب واضح من عنوانه).
وبما أن ثقافتنا وبيئتنا الاجتماعية واحدة فإنني أعتقد أن هذه العينات موجودة في جميع كلياتنا التقنية المنتشرة في المملكة؟
لذا فإن الأمر يعطي مؤشراً واضحاً في أن هناك فجوة كبيرة بين مخرجات التدريب التقني ومتطلبات سوق العمل واحتياجاته مما يستدعي إعادة النظر في مدخلات التدريب حتى تتوافق مخرجاته مع سوق العمل، وهذا يعود لخلل كبير في برامج كليات التقنية والأمر الأصعب وجود سوء فهم وخطأ استراتيجي لمصطلح الاختيار المهني وعدم التفريق بينه وبين التوجيه المهني.
فإن التعامل مع هذه المصطلحات مفقود لدى برامج القبول في الكليات التقنية، فلو كان هناك معرفة بها لما وصلت نسب التسرب إلى هذا المستوى الخطير، حيث إن مصطلح الاختيار المهني وهو الأهم غير موجود تماماً في برامج القبول في المؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني وعلى الأخص الكليات التقنية.
فنجد أن عملية القبول في الكليات التقنية قائمة من حيث الاختيار المهني على العشوائية إذ نجد أن الشاب الملتحق بأي تخصص بالصدفة المحضة حسب درجاته، فلقد كانت المواءمة المهنية بين الفرد بقدراته وإمكاناته المعرفية والوجدانية ومتطلبات سوق العمل أمراً متروكاً للصدفة لا للاختيار المهني وما زال الأمر محكوماً بالظروف المتاحة مثل التوزيع الجغرافي أو الدرجات التي حصل عليها الطالب في المرحلة الثانوية، أي أن اختيار تخصص الدراسة لم يكن محكوماً بالتحليل والتخطيط (متوسط الأجل أو طويل المدى) للانتفاع بتلك المواهب والإمكانات.
لذا فإن الاختيار المهني هو انتقاء أصلح الأفراد وأكفأهم من المتقدمين لعمل من الأعمال أو برنامج معين، ويهدف إلى اختيار الفرد المناسب في العمل المناسب بحيث يستطيع أن ينتج مقدارا معيناً من الإنتاج مع بذل أقل قدر ممكن من الطاقة بحيث يكون أقل عرضة لسوء التوافق المهني.
فقد استطاع علماء النفس أن يضعوا كثيراً من الاختبارات النفسية التي تستطيع أن تفرز لنا أشخاصاً متميزين كما أن التقدم في ميدان الاختيار المهني سيعين أيضاً في تقدم الجهود التي تبذل في هذا الصدد، لأن الاختيارات التي توضع في عملية الاختيار توفر لنا كثيراً من الجهد والأموال التي قد تهدر في حالة عدم الانتقاء والاختيار.
حيث إن الاختيار المهني يعتمد على مجموعة اختبارات في اللياقة الجسمية واختبارات الذكاء واختبارات الاستعدادات واختبارات الميول والقيم والاختبارات الشخصية وتقدير الظروف العامة للفرد وكل هذه لا دور في جودة خريج كليات التقنية في حالة تطبيقه.
نظراً لما يمثله اختيار الفرد لمهنته من مشكلة كبرى تواجهه وهو في سن الشباب، وتوجد هذه المشكلة في المجتمعات النامية حيث إن عدم التوافق المهني يؤدي إلى هجرة الإنسان لعمله، وكثرة تغيبه، وتعارضه وقلة إنتاجه ويشكل هذا عبئاً ثقيلاً على الدولة وهدراً للمال العام بسبب ما يحدث من الهدر المالي لسنوات الفشل التي يقضيها الطالب أو المتدرب في كليات التقنية بدون إخضاعه إلى اختبارات شخصية أو قدرات مهنية.
كما أن قضية اختيار الفرد للمهنة المناسبة لا يخضع لحصوله على مجموع أكبر من الدرجات، كما أنها تعد مشكلة اجتماعية نظراً لأن إحساس الفرد بالفشل سوف ينتج عنه فقدان الشعور بالثقة بالنفس، وضعف الشعور بالولاء والانتماء.
كما كشفت نتائج الدراسات عن العوامل التي تؤثر في الاختيار المهني على اختلاف هذه العوامل وتباينها من دراسة إلى أخرى، واتفقت أغلب الدراسات على أهمية الصفات الشخصية مثل الميول والقدرات والاستعدادات في تحديد الاختيار المهني، وأيضاً على أهمية الصفات السيكولوجية مثل الذكاء والقدرات الخاصة فإن لها دورا كبيرا في الاختيار المهني وينتج عنها التوافق المهني.
كما يجب أن ندرك أن كل شاب يحتاج إلى توجيه تعليمي مهني ولا يكون التوجيه مثمراً وفعالاً إذ أملى على الفرد، لأن الفرد يجهل الفهم لذاته ونقص معلومات عن عالم المهن المختلفة، لذا يتطلب مشاركة الجهات ذات العلاقة في أن تكون موجهاً ملماً بالبيانات الخاصة بمختلف المهن والميول والاستعدادات الفردية ذا بصيرة بدوافع الإنسان وقادراً على مساعدة الفرد على أن يفهم ذاته.
كما يجدر بنا هنا أن نوضح بعض الاختبارات المهنية التي تتبناها نظريات الإرشاد المهني لأكثر من 50 عاما وأدت نتائج باهرة في تحديد الأفراد المناسبين لتخصصاتهم ومهنهم المستقبلية ومنها:
اختبار سترونج للميول المهنية و(اختبار توماس لتحديد الميول المهنية المناسبة) وهذا الاختبار معمول به في أغلب الشركات الأوروبية والأمريكية وعمر هذا الاختبار أكثر من 50 عاماً وقد أثبتت نجاحات هائلة في تجديد ميول الفرد المناسبة، وأيضاً اختبار (كودر) لتصنيف أنواع الميول المهنية، وتطبيق نموذج (هولاند) للاختيار المهني حيث صنف فيه أنماطاً لتحديد الميول المهنية التي تتعلق بمجالات المهن المتنوعة.
لذا يجب تطبيق هذه الاختبارات في القبول في كليات التقنية وتحديد الاختبار المناسب الذي يتناسب مع برامج الكليات التقنية ويمكن أن يوضع مجموعة اختبارات لوجود العلاقة بين الشخصية والاختيار المهني لأن هذه العلاقة ليست علاقة سهلة وإنما هي معقدة حين نحاول دراستها، لارتباطها بالميول المهنية وسمات الشخصية والاتجاهات والقيم حيث إنها تبدو ذات صلة وثيقة ببعضها، وعندما تصل لاختيار الفرد المناسب للتخصص المناسب فإن ذلك سيوفر للفرد الاشتغال بالمهنة الملائمة له والارتياح والرضا في عمله وتحسين العلاقات الإنسانية في المجالات المختلفة لممارسة الفرد للعمل الذي يناسبه فيساعده على زيادة ثقته بنفسه ورفع معنوياته ورضاه وسعادته فيسهل تعامله مع الآخرين، كما سوف يوفر على الدولة أموالا طائلة أهدرت لسوء التخطيط الذي يؤدي إلى خسائر اقتصادية كبيرة حيث وصلت خسائر المملكة العربية السعودية في مجال التدريب المهني والتقني من حيث تكاليف الهدر المالي الضخم الذي يصل 22 مليار في السنة، وذلك بحساب متوسط التكلفة الفرضية للطالب الواحد في العام الواحد حيث تصل إلى مبلغ وقدره 98188 ريال طبقا للميزانية العامة السنوية للمؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني من حيث المصروفات العامة، مضروباً في عدد الطلاب المتسربين الذي يصل إلى 23074 طالب للعام 1425- 1426هـ بفجوة هائلة بين أعداد الطلاب الملتحقين وأعداد الطلاب المتخرجين حسب إحصاءات المؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني.
كما أن المخرج الجيد ذو الجودة العالية ليس مطلوبا من أي مسؤول في المؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني وليس من مهامه أن يسعى لتعيين أي خريج لم يتم توظيفه إنما مسؤولية الكليات التقنية تخريج مخرجات ذات جودة مواصفات عالية تتوافق مع سوق العمل مما سينتج عنه هرولة القطاع الخاص في تعيينهم وللوصول إلى هذه المعادلة أطرح بعض الرؤى والأفكار التي سيكون لها نتائج بمشيئة الله موفقة في ذلك وهي:
- ضم الكليات التقنية لوزارة التعليم العالي وإسناد كل كلية تقنية للجامعة التي تتبع المنطقة الموجودة بها.
- تحويل جميع التخصصات النظرية والتجارية والمكتبية والإدارية مثل (المحاسبة، التسويق، الإدارة المكتبية، السكرتارية، إدارة المستودعات، السياحة والفندقة) في الكليات التقنية إلى كليات المجتمع، نظراً للازدواجية الموجودة بين كليات المجتمع وكليات التقنية وكذلك قصر الكليات التقنية على الأقسام التقنية مثل (التقنية الكهربائية، التقنية الميكانيكية، تقنية الحاسب، التقنية الكيميائية، التقنية المعمارية، تقنية الاتصالات، التصنيع الغذائي) حتى تكون متخصصة في المجالات التقنية.
- الاستفادة من الدول التي لديها نجاحات في برامج وخطط تدريبية معنية وجلب هذه البرامج والخطط لتعديل مناهج وبرامج الكليات التقنية بتجارب ملموسة وموجودة بعد إخضاع هذه البرامج والخطط الدراسية للتقييم وتحليل المحتوى لمعرفة نقاط القوة والضعف فيها.
- تطبيق اختبارات الميول المهنية للاختيار المهني لتحديد الميول المناسبة للفرد في برامج القبول في كليات التقنية على وجه الخصوص.
آمل أن تلقى هذه المقترحات والرؤى آذانا صاغية نظراً لعدم وجود مجال للتأخير في تعديل الوضع المأساوي في كليات التقنية.
saad-alrashood@hotmail.com