المكرم رئيس تحرير صحيفة الجزيرة - وفقه الله-..
تحية طيبة.. وبعد:
اطلعت على مقال نشر في صحيفتكم الغراء في صفحة (آفاق إسلامية) عن الحج يوم الجمعة الموافق 18-11-1430هـ وتعقيباً على ذلك أقول: إن الله جل جلاله رفع قدر المسلمين، وشرفهم بهذا الدين الحنيف وشعائره العظيمة التي تحمل حكماً سامية، وأهدافاً نبيلة، وإن الحج إحدى هذه الشعائر التي يتعبد بها المسلمون، وفرض الله الحج على كل مسلم استطاع إليه سبيلاً، فهو موسم خير عظيم يتكرر كل سنة حيث تجتمع جموع المسلمين على اختلاف الشعوب والطبقات، وتنوع البلدان واللغات، وتباين التقاليد والعادات، وتلتقي تلك الجموع الحاشدة والآلاف المؤلفة التي ألف الله بين قلوبها في موسم الحج، يدعون رباً واحداً في وقت واحد، وعلى صعيد واحد متجهين إلى قبلة واحدة لا فرق بين الغني والفقير، والرفيع والوضيع، والأسود والأبيض، هم سواسية كأسنان المشط يأتون من مشارق الأرض ومغاربها ملبين مهللين كي يؤدوا الركن الخامس من أركان الإسلام كل عام استجابة لدعوة أبيهم إبراهيم عليه السلام، حيث يقول الله تعالى: (وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ * ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) (27-28-29) سورة الحج.
في موسم الحج تجتمع فيه عبادات القلب والبدن والمال، لإعلان التوحيد الخالص لله سبحانه وتعالى، والتجرد من زينة الدنيا، وتتجلى فيه مظاهر وحدة الأمة الإسلامية التي تتباهى في أوج قوتها، وأجمل معانيها، وأسمى صورها الإسلامية.
وفي الحج كثير من فضائل الأعمال والخيرات، وهو موسم عظيم تضاعف فيه الحسنات، وتكفر السيئات إذ فيه أفضل الأيام، وهي أيام عشر ذي الحجة التي ذكرها الله في كتابه الكريم، وأقسم بها تشريفا لها، وتعظيماً لشأنها، وبيانا لفضلها فقال الله: (وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ) (1-2) سورة الفجر. وقال صلى الله عليه وسلم: (ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر)، فقالوا: يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله؟ فقال رسول الله: (ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء) رواه البخاري. وفيه فضائل دينية، ومنافع دنيوية. ومن هذه الأيام العشرة: يوم عرفة فهو من أفضل الأيام، وهو يوم مغفرة الذنوب والخطايا والعتق من النار، ويوم فيه يباهي الله بأهل الأرض أهل السماء، كما قال الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم: (ما من يوم أفضل عند الله من يوم عرفة، ينزل الله تعالى إلى سماء الدنيا فيباهي بأهل الأرض أهل السماء) رواه مسلم وصومه يكفر السنة الماضية والباقية، وفيها يوم الحج الأكبر، وهو يوم النحر، وفيها التكبير والتحميد والتهليل والتسبيح.
فينبغي علينا -نحن المسلمين- أن نستثمر مواسم الخيرات التي تمر علينا خلال الأيام أو الشهور أو السنوات بما ينفعنا في الدارين وذلك: بالتوبة الصادقة والرجوع إلى الله، ففي التوبة فلاح للعبد في الدنيا والآخرة، قال تعالى: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (31) سورة النور، والعزم الجاد على اغتنام هذه الأيام بالأعمال والأقوال الصالحة، والبعد عن المعاصي، فكما أن الطاعات أسباب للقرب من الله تعالى، فإن المعاصي أسباب للبعد عن الله والطرد من رحمته، وقد يحرم الإنسان رحمة الله بسبب ذنب يرتكبه، فإن كنت تطمع في مغفرة الذنوب والعتق من النار فاحذر الوقوع في المعاصي والذنوب.
وعلينا -عباد الله- أن نغتنم هذه الفرص العظيمة، ونبادر إلى الخيرات قبل فوات الأوان، فقد صح عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: (التؤدة في كل شيء خير إلا في عمل الآخرة) رواه أبو داود والحاكم.
عبدالعزيز السلامة - أوثال