لا يخفى على كل ذي عقل وبصيرة أهمية بر الوالدين، فهو مفتاح السعادة في الدنيا والآخرة، ولقد سجل التاريخ قصصاً كثيرة في هذا السلوك الحميد، ولعل المتأمل في سيرة الملك عبدالعزيز - رحمه الله - يجد أنموذجاً يحتذى به في البر بالوالدين، فلقد كان الملك عبدالعزيز - رحمه الله - عارفاً حق المعرفة بالله قائماً بأداء حقوقه، ولعل من أعظم هذه الحقوق بر الوالدين فلقد كان - رحمه الله - ابناً باراً بأبيه، حيث كان هذا البر سبباً فيما تحقق له من نصر وتأييد من الله سبحانه وتعالى فرضى الله مقرون برضى الوالدين، ولنأخذ بعض المواقف التي سطر فيها الملك عبدالعزيز بر الولد بأبيه استجابة لأمر الله واتباعاً لسنة النبي صلى الله عليه وسلم يقول يوسف ياسين في كتاب (الحجاز مهبط الوحي) حدثني شيخ كبير من علماء مكة قال: لما استقرت الأمور للملك عبدالعزيز في الحجاز، حضر والده الإمام عبدالرحمن بن فيصل آل سعود من الرياض ليؤدي فريضة الحج فدخل المسجد الحرام يطوف بالبيت العتيق ومعه ابنه الملك عبدالعزيز فطاف الوالد والولد، ولكن الأب كان قد جاوز المئة من العمر ضعيفاً لا يقوى على المشي والتعب قد أثّر فيه فأدركه الإعياء، فهبط على الأرض بعد ثلاثة أشواط من الطواف، فما كان من ابنه الملك عبدالعزيز - الذي يمكنه أن يصدر الأوامر إلى خدمه بأن يحملوه على أكف الراحة - ما كان منه إلا أن حمل والده على مرأى من الناس جميعاً وأتم بقية الأشواط.
ومن صور بره بأبيه أنه بعد تولي الإمارة لم تمنعه مسؤولياته العظيمة من زيارة أبيه فلقد كان يزور أباه الإمام عبدالرحمن في قصره بالرياض صباح كل يوم.. أما والده فيزوره بعد صلاة الجمعة من كل أسبوع.. وعندما يصل والده يقفز عبدالعزيز من مكانه فيستقبله ويقدمه إلى صدر المجلس (مقعد الإمارة) ويجلس هو بين يديه صامتاً ينظر ما يأمره به.
ومن صور البر الرائعة أنه كان يرجع إلى أبيه في كل ما يهم من أمور الدولة، وقلما يعقد أمراً ذا بال إلا بعد استشارته واستئذانه، وكلما وردت على عبدالعزيز رسالة لها أهمية خاصة أرسلها إلى والده ليطلع عليها أو ليبدي فيها رأيه، لكن أباه كان يردها مع الرسول كما هي.. قال يوسف ياسين لاحظت ذلك في إحدى زياراتي للإمام عبدالرحمن.. فقلت له: إن عبدالعزيز أرسلها إليكم لترشدوه برأيكم إذا رأيتم فيها خطأ فقال: عبدالعزيز موفق، خالفناه في آرائه كثيراً، لكن ظهر لنا بعد ذلك أنه هو المصيب ونحن المخطئون. إن نيته مع ربه طيبة لا يريد إلا الخير للبلاد وأهلها فالله يوفقه ويأخذ بيده و{إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ}.
ومن حرصه على رضا والده أنه حينما أراد السفر من الرياض إلى الحجاز (في أواخر سنة 1346هـ) دخل على أبيه يودعه وكان يخشى أن يكون هذا هو الوداع الأخير، فكان يقبل يديه ويسأله هل أنت راضٍ عني؟ فيجيبه الإمام وهو جلد صبور - لا شك - فيعود إلى يديه يقبلها ويعيد السؤال: والدي هل أنت راضٍ عني؟ فيجيبه لا شك في ذلك، وما زال يكرر السؤال ووالده يجيبه من داخل صدره برضاه حتى شفى نفسه.. وكان ذلك آخر اجتماع بأبيه.. وصوت رضاه الأبوي يرن في أذنه.. وكان عبدالعزيز بعد وفاة أبيه، لا يذكر اسمه إلا ترحم عليه وطلب له الغفران، ولا تكاد تعرض مناسبة إلا أشاد بما لوالده ووالدته من فضل في تربيته وتوجيهه، وكان يكثر من زيارة قبره الزيارة الشرعية. رحم الله المؤسس فلقد كانت له سيرة أربت على سير الملوك والسلاطين لم يسبقه إليها سابق ولم يجمعها جميعاً ملك ولا سلطان.
- منسق مدينة الزلفي الصحية