Al Jazirah NewsPaper Saturday  05/12/2009 G Issue 13582
السبت 18 ذو الحجة 1430   العدد  13582

العذاب البطيء
هدى ناصر الفريح

 

تصفو السماء منذ الصباح الباكر مع امتداد خيوط أشعة الشمس البراقة وتتلألأ السماء ليلاً بالنجوم اللامعة.. إنها آية كونية إبداعية لمن يتأملها متفكراً لأنه يجد ذاته قريبة منها تحلق مع روعتها وتتناغم مع جمالها وهؤلاء الهانئون برغبتهم، بينما يجد آخر ذاته تتذمّر من صحو جوها وحرارتها وتتكدّر من ظلمتها في كل ليلة!!

وهؤلاء هم أصحاب الهموم الذاتية، أي من امتهن حياكة الهم واليأس في كل شيء إن كان صحواً ونقياً خلق منه غبارياً وعكراً!.. يعيش في عذاب بطيء يكدر نفسه ويستحضر كل مشهد حزين من مشاهد الحياة، التي لا يخلو كائن حي في هذا الكون الشاسع من خوضها والاكتواء من نارها إلا وقد عايشها.. يشيخ رغم سنّه ويحدودب ظهره وتطأطئ رأسه بدون أن يلاحظ، فحروف كلماته يشكلها من حبر التذمر والتشكي، فيكون هو ذاته ثقيلاً على الدنيا ولربما كما هو صخب العالم الآن فيروس معدٍ يحاول تجنبه من حوله لكي لا يتطبعوا بمثل طبعه، إنها فئة كبيرة من البشر تعذّب حالها دون أن تعلم عذاباً بطيئاً ولا ألم من العذاب البطيء، وقفات مع كل تجربة وحدث حزين تستلزمه سنوات ثكلى من اللاوعي وعمر ينقضي، وكل ذلك بسبب استحضار دائم لها والوقوف التام على أطلالها وتذوق سائغ لمراراتها، وفي هؤلاء يخاطبهم الشافعي في أبيات تفيض حكمة:

فادرأ الهم ما استطعت عن النفس

فحملانك الهموم جنون

إنّ رباً كفاك بالأمس ما كان

سيكفيك في غدٍ ما يكون

إنّ الحياة منك وإليك تأتيك كيفما أردت وكيفما تصرفت.. إن شئت جعلت منك بستاناً يزدان الكون بوجوده، وإن شئت خنعت وبقيت كما أنت مهموماً بؤوساً، ويظل السعيد المطمئن من يستشعر بكل حواسه برضا ممتناً لروعة الحياة بوجود آثار خطواته الرائعة، يتقن فن التعامل مع الهموم والأحزان، بأن يفوّضها لله ولا يرمي بنفسه في حرمها ويضيق على نفسه فيخنقها، بل يظل محاولاً الخروج منها؛ لأنه على الأرجح إذا امتلأت روحه بالعزيمة والسكينة، خرج منها أقوى بمرات، أو أن الرؤوف الرحيم في جانب آخر سوف يسخّر له من يمد يده يخرجه منها، فيهبّ ماسكاً بها ويخرج إلى الحياة، ولكن قد لا تبصر العقول وهي مغلفة بالظنون!.

كان المصطفى المختار - عليه الصلاة والسلام - مثقلاً بهموم الأمة وتبليغ الرسالة، ومع ذلك كله كانت الابتسامة لا تفارقة والاستعاذة من الحزن هي ديدنه..

بلسمٌ للحياة ..

يقول يحيى بن معاذ: جميع الدنيا من أولها إلى آخرها لا تساوي غمّ ساعة فكيف تغتمّ عمرك فيها مع قلّة نصيبك منها.

البكيرية


 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد