حينما نتحدَّث عن النظافة فنحن لا نعني بذلك توسيع رقعة الجمال في الموقع على وجه الخصوص، وإنما نعني بذلك المقياس الذي ترتقي إليه الأمم.. ألا وهو الوعي البشري، حيث إن النظافة وفي أي مكان وجدت فهذا دليل على رقي السلوك الحضاري لدى البشر، ولا نبالغ حينما نقول إن الحياة لا قيمة لها بدون الإحساس بالجمال.. وإن كانت فإنها لا تستساغ وستكون مليئة بالمنغصات وما شابه ذلك.. ومن أجل مجتمع أنظف ترفرف على جنباته الصحة والسعادة، فلا بد أن نتعوّد ونعوّد أبناءنا على ممارسة السلوكيات الحضارية ابتداء بالتوجيه ومروراً بالتطبيق واختتاماً بالمحاسبة والتقييم.. فمتى ما كان هناك محاسبة ونشر للوعي فلا بد أن نحصل على نتائج تميزنا حضارياً.. ولا يشترط الاستعجال في قابلية المواطن للتوعية.. فمتى ما كانت الجهود صادقة ومركّزة على إفهام المواطن بأهمية المحافظة على المكتسبات الحكومية ومدى انعكاس ذلك على استفادة المواطن منها فلا بد أن تكون النتيجة تلاشي تشويه المرافق وإبراز الوجه المميز للمدينة.. وما ذكرته ليس إلا مقدمة متفائلة لعلي أصل من خلالها لعقل وقلب وغيرة المواطن للتسلح بأشد وأقسى أنواع الأسلحة لممارسة الانحدار الثقافي لعقول العابثين بجمال المدن وأحيائها.. ولعل من أشد أصناف العبث والتخلُّف (الكتابة على الجدران)، نعم إن الكتابة على الجدران تعني فقدان الوعي وانحسار الحس الثقافي وضياع الهمّ الاجتماعي.. وقد استشرت تلك الظاهرة وأصبحت من المسلَّمات الواقعية في أي مجتمع، والسبب ترك الحبل على الغارب للعابثين بالتفنن في كتاباتهم ورسوماتهم دون حسيب أو رقيب أو حتى معاتب على تلك الأفعال.. حيث تأذت المساجد والمدارس من كتاباتهم.. وتشوهت الحدائق ومرافقها من عبثهم ورسوماتهم الفاضحة.. ولم تسلم محولات الكهرباء وحاويات النظافة ومظلات وكراسي الانتظار من طمس معالمها بالألوان المتعددة، وضاعت معالم اللوحات الإرشادية والدعائية والمرورية بسبب الكتابات الهابطة.. إذاً ألا نقول عن ذلك إنه خروج عن النص وإشهار للتخلف والفضيحة الفكرية؟ وإذا أجبنا بنعم فنحن بحاجة إلى وضع الآلية المناسبة للشروع في القضاء على تلك الظاهرة.
فالحلول كثيرة، وسبق أن تم استعراضها في أكثر من مقال سابق، التي آمل أن يتزامن فيها أساليب وقف الكتابات على الجدران بشتى أنواعها سواء بالتوعية أو بالرقابة أو بالعقوبة.. ولكل جهة حكومية مسؤوليتها المحددة بالمكافحة.
والأسلوب الآخر هو المعالجة بالإزالة؛ حيث إن معظم واجهات المباني دهاناتها مركبة ولا يمكن أن يعاد نفس اللون بدرجته الأولى؛ ما يعني تشويه المبنى بعد طمس الكتابات.
ومن الحلول الناجعة على ذمة مدينة لوس أنجلوس.. حيث يقول الخبر الصحفي: (تبنى مجلس مدينة لوس أنجلوس قانوناً يقضي بطلاء جميع المباني الجديدة والمنازل في المدينة باستخدام نوع خاص من الطلاء المقاوم للكتابات والرسومات).. وهذا الطلاء الأصم يعني إزالة الكتابات والرسوم من على الجدران بسهولة باستخدام قطعة من القماش في غضون دقائق.. (وتبنى المجلس أيضاً عدم إلزام أصحاب المباني بالطلاء المحدد مقابل التوقيع على تعهد بإزالة أي كتابات على الجدران في غضون أسبوع واحد من وقت إبلاغهم من قبل مفتشي البلدية). انتهى الخبر المنقول عن مجلس مدينة لوس أنجلوس.. وأتمنى أن يبدأ نقاش مجالسنا البلدية لقضية الكتابة على الجدران وخطط معالجتها.. فالنظافة ليست حكراً على نقل النفايات من داخل المدينة.. بل إن كوارث التشويه من خلال الكتابات المبعثرة على الجدران أشد قبحاً من نفايات المساكن.. والأمل أن نصحو على نقاء المباني والأسوار والمرافق من عبث الذين هجروا عقولهم في أكياس الغسيل.
كما آمل ألا تتوقف الأطروحات المتكررة في سبيل القضاء على ظاهرة الكتابة على الجدران.. فالمدينة النظيفة تعكس مدى ثقافة أهلها وساكنيها.
Al_wakeele@hotmail.com