يتأثر الإنسان بما يفاجئه من الأحداث المؤلمة، وخصوصاً بحوادث الوفيات التي يرجع معها الإنسان إلى نفسه، وينتبه من غفلته، ويعتبر بحقيقة زوال الحياة الدنيا، وبقاء الحياة الآخرة التي هي الحياة الحقيقية المستوجبة للعمل.
وقضية العادة التي تجعل ألفة بين الإنسان وبين كثير من الأمور العظيمة هي مشكلة يعيشها كل إنسان سواء تنبه لها أحياناً أم لم ينتبه! ولو أردنا أن نذكر هذه الحقائق العظيمة في الكون وفي ذات الاتساق لضاق بنا المقام، ويعد الموت والحياة أهم هذه الظواهر وأعظمها وأساسها الذي تقوَّم به، وتقاس عليه.
وأقدم الموت بالذكر لأن الله سبحانه قدمه في القرآن الكريم: ?الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ..? ولأن ظاهرة الحياة محدودة في الدنيا بموتين أحدهما سابق: ?هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا?، والآخر لاحق: ?كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ? و?إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ?.
ومشكلتنا ليست في التنبه إلى الحياة أو الغفلة عنها، بل في عدم التنبه للموت، والغفلة عنه، إذ تأخذنا الحياة بزخارفها ومغرياتها كل بحسب حظه منها فمقل ومستكثر، ومن ثم الصراع حولها ومن أجلها حتى يظلم الناس بعضهم بعضا، كما قال الأول متعديا: (لاقتلنك)، ثم نفذ ما عزم عليه (فقتله)، ولم ينفع في صده قول أخيه له: ?لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لَأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ?.
فالموت الذي يفجؤنا في قريب أو حبيب، أو صديق كريم يوقظ لدينا الإحساس بضآلة حجم هذه الحياة التي نتعادى من أجلها ونتفانى، وأنها لا تستحق تحمل تبعات ثقيلة عاقبتها وخيمة، فنعيد حساباتنا ورصيدنا من الربح والخسارة في حياتنا اليومية قبل الإغلاق النهائي للحساب بلاموت الذي يأتي بغتة فيثبت القفل على صندوق العمل!
إننا بحاجة شديدة إلى التنبه إلى ظاهرة.. بل حقيقة الموت الملازمة للإنسان، وعند كل قراءة معتبرة لموت حادث على غير العادة أن نتذكر الموت المعتاد يومياً.
يقول الله تعالى خالق الموت والحياة: ?اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ? (آية 42، سورة الزمر).
فظاهرة الموت - إذن - متكررة يومياً، فكل نوم للإنسان موت، فمن انتهى أجله أمسكها الله سبحانه ولم يعد إلى الحياة، ومن لم ينته أجله أرسل الله سبحانه روحه إلى أجل مسمى! ومشكلتنا في خاتمة الآية ?إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ? ليست آية واحدة بل آيات!! نحن عنها غافلون!
وقد جاءت أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم في آداب النوم والاستيقاظ معبرة عن حقيقة الموت المذكورة في الآية، فمن أدعية النوم: (باسمك اللهم وضعت جنبي، وبك أرفعه، فإن أمسكت نفسي فارحمها، وان أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين) وهذا الدعاء متوافق مع الآية في معناها ولفظها. أما في الاستيقاظ فيقول: (الحمد لله الذي أحياني بعد ما أماتني وإليه النشور). ولكن من منا يستشعر هذه الحقيقة، وكم منا يعايشها يومياً؟! فالنوم والاستيقاظ موت وحياة متكرران يومياً، لا يقلان في حقيقتهما عما نشاهده من الحوادث، إلا أن الألفة والعادة المتكررة أذهبت روعتها وجلالها في إحساسنا، فعايشناها بالبصر لا بالبصيرة، وبسمع غير ملقى، وبقلب غير شهيد!
إذن! فأمام الإحصائيات التي تنشر بين وقت وآخر عن عدد الوفيات بسبب الحوادث أو الكوارث أو التدخين.. أستطيع القول: إن الإحصائية التي لا شك فيها هي أن سكان الكرة الأرضية يموتون جميعاً ثم يحييون كل يوم!! وقد صغت عنوان هذه الكلمة (الإنسان يموت نائماً) بالنظر إلى العمل الأدبي الشهير (الأشجار تموت واقفة).
- الرياض