Al Jazirah NewsPaper Sunday  06/12/2009 G Issue 13583
الأحد 19 ذو الحجة 1430   العدد  13583

المنتصرون لجماليات الحياة
أيها الشاعر هل أنت من المنتصرين لجماليات الحياة؟

 

كتب - محمد صلاح الحربي :

المنتصرون لجماليات الحياة قد لا يغيرون كثيرا فيها كما هو فعل القادة المبدعون في حق الشعوب والأوطان، لكنهم يتركون وراءهم أثراً جميلاً يبقى مناصراً للحياة ويمكن أن يجد به الإنسان ما يضعه في تلك المناصرة سواء كانت في قول أو فعل..

وفي مجال الشعر، والشعر الشعبي بشكل خاص، فإن هناك الكثير ممن ناصروا جماليات الحياة عبر بعض قصائدهم، أو من خلال أبيات معينة في بعض قصائدهم، وسأورد لك، عزيزي القارئ، نماذج أو عينات لتلك المناصرة حسب رؤيتي أنها كذلك..

حديقة سليمان بن شريم البرية!

سليمان بن شريم أحد المبدعين في عصره، ولذلك بقي وسيبقى إبداعه الشعري لدى كل من يعي الشعر، من مناصراته للحياة الجميلة قوله في قصيدة غزلية:

ريحه مثل ريح النفل في شعيبه

في خايع عله من الوسم تشعيب

ممطورٍ أمس ومصبح ما وطي به

واليوم شمس، وفاح طيب على طيب

تأملوا هذه الصورة الربيعية التي التقطها الشاعر بعدسة مقدرته الشعرية والحسية، ستجدون - إن اتفقتم معي - أن الشاعر يبدو كما لو أوجد، من خلال تلك الصورة في شعره، حديقة برية يظل عشبها حيا نظرا كما هي الحدائق التي يعتنى بها في المدينة، وهذه في رأيي إحدى مناصرات الحياة الجميلة من خلال الشعر الإبداعي.

بدر بن عبد المحسن والتعامل مع السماء!

الأمير الشاعر المبدع بدر بن عبد المحسن واحد من أهم الشعراء المعاصرين الذين ناصروا الحياة وجمالياتها في كثير من شعره، والنماذج من ذلك يصعب حصرها، لكن سأكتفي بهذا البيت:

.. وتملني الجدران وأظهر لشرفة

تحت السما، وأسكر الباب خلفي

أنا وأنت وأغلب الناس نرى السماء يوميا، ومن خلال الاعتياد على رؤيتها فإننا لا نحس بقيمة تلك الرؤية ومعنى رحابة السماء، وحده السجين هو من يتزايد شوقه لمرأى السماء كلما طالت فترة سجنه، وحينما يخرج فإن أول ما ينظر إليه هي السماء.. لأن منظر رحابتها يظل يمثل الحرية والانطلاق بلا قيود.. وفي ذلك البيت من قصيدة بديعة للبدر يصور الشاعر حالته بملله بين الجدران الأربعة للغرفة وهو بحالة فقد وشوق، فيظهر للشرفة تحت السماء، لكنه لم يكتف بذلك، بل أقفل الباب خلفه، لماذا؟ ليتخلص من إحساسه بضيق الغرفة ومحاصرة الجدران الأربعة.. إنه بذلك البيت ينتصر لجمالية الرحابة والصفاء، ينتصر لجماليات السماء.

نايف صقر وتسبيح المطر!

الشاعر الكبير نايف صقر أحد المبدعين الذين لم ينصفوا، كما يليق بإبداعه وذلك العمق الشاعري في روائعه الكثيرة، فهو رغم شهرته الكبيرة لم يحظ في رأيي بقارئ مبدع يتعامل مع شعره بعيدا عن التناول السطحي في الوسط الشعبي الذي اشتهر به، ومن صور عدم إنصافه أن يظل يقارن مثلا بمساعد الرشيدي رغم الفرق الشاسع، في رأيي، في أسلوب وتناول وتعامل كل منهما مع الشعر. من مناصراته الكثيرة البديعة لجماليات الحياة قوله في إحدى روائعه:

سحاب صوت وبله كنّه التسبيح والتهليل

تخيله كل عين، ويشرب الضميان براقه

وهو هنا، وكما نبّهنَا (البدر) لجماليات السماء، فهو ينبه الحس فينا إلى أن المطر ليس حالة عادية، ومهما تعودنا عليها فإنه من المفترض أن نعي ماذا يعني ذلك العطاء الرباني الذي قال الله سبحانه عنه بأنه يحيي به الأرض.. وقد صوّر الشاعر صوت المطر بصوت المتعبد الخاشع في تسبيحه وتهليله، وهو بذلك كأنما يضفي على المطر تلك الروحانية التي يستحقها، وكيف لا يكون روحانياً من جعله الله وسيلة من وسائل الحياة في الأرض؟

قبل الختام

هذا هو الجزء الأول من هذه المحاولة المخلصة لتسليط شيء من الضوء على بعض من النماذج الشعرية الشعبية الإبداعية التي يوجد بها ما يناصر جماليات الحياة، وسأختتم هذا الجزء بأن آمل من القارئ الشاعر أن يعود لما كتبه من شعره، ويحاول أن يجد به الإجابة فيما لو سأله أحد: أيها الشاعر هل أنت من المنتصرين لجماليات الحياة؟.


 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد